فائز بن سلمان الحمدي
ما أشقى الإنسان حين يجعل قلبه خزانةً للأحقاد، وذاكرته مستودعًا للزلات، فيُحصي على من يحب أنفاسه، ويعد عليه عثراته، ويؤرِّخ لكل كلمةٍ قيلت في ساعة غضب، ولكل هفوةٍ صدرت في لحظة ضعف، ثم يُلقي على ذلك كله ستارًا من الصمت، لا لأنه عفا وصفح، ولكن لأنه ينتظر يومًا تنشب فيه الخصومة، فينبش القبور بعد أن سكن أهلها، ويبعث الأموات بعد أن أراحهم التراب.
وما أكثر ما رأيت من أناسٍ يزعمون أنهم قد سامحوا، فإذا مستهم ريح الخلاف، أو مسَّ قلوبهم طائفٌ من الغضب، إذا بهم يفتحون دفاتر السنين، فيقرؤون منها ما ظن الناس أنه قد مُحي، ويستخرجون من مطاوي الأيام ما حسبه صاحبه قد اندثر، فيجعلون من الزلة الواحدة زلات، ومن الكلمة العابرة خطيئةً لا يغسلها اعتذار، ولا يمحوها ندم، ولا يطويها زمن.
وهل هذا من العفو في شيء؟!
كلا، وإنما العفو أن تموت الإساءة يوم يعفو عنها صاحبها، لا أن تبقى حيةً في صدره، تتنفس مع أنفاسه، وتكبر مع الأيام، حتى إذا وجد إلى الانتقام سبيلًا أطلقها كالسهم المسموم، لا تفرق بين حاضرٍ وماضٍ، ولا بين مذنبٍ ومحسن.
ولقد أدب الله عباده بأدبٍ لو عقلوه لاستقامت به القلوب قبل الألسنة، فقال جل شأنه:
{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}.
فكأن الحق سبحانه يقول لعباده: إن كنتم ترجون أن أمحو صحائفكم عندي، فامحوا صحائف الناس عندكم، وإن أحببتم أن أنسى لكم ذنوبكم، فانْسَوا لإخوانكم هفواتهم.
فأي قلبٍ يطمع في المغفرة، وهو يضن على أهل الأرض بعفوٍ لا ينقص من ملكه شيئًا؟
ثم لم يكتفِ سبحانه بأن يأمر بالعفو، بل ارتقى بالنفس إلى أفقٍ أعلى، فقال:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
فليس الفضل أن تكظم غيظك وقلبك يغلي كما يغلي المرجل، وليس الصفح أن تسكت ولسانك يهمس بالتعيير كلما سنحت فرصة، وإنما الصفح أن تنطفئ في القلب نار الغضب حتى لا يبقى منها إلا رمادٌ تذروه رياح المروءة.
وما أعجب الإنسان!
يحفظ إساءةً لا تجاوز طرفة عين، وينسى إحسانًا امتد أعوامًا، كأن ذاكرته لا تعرف إلا مواطن الألم، ولا تبصر إلا مواضع النقص، وقد قال الله تعالى:
{وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.
فما أقسى قلبًا ينسى يدًا امتدت إليه عند الضيق، وكتفًا حمل عنه أثقال الحياة، ولسانًا طيبًا واساه في شدته، ثم لا ينسى كلمةً قيلت في ساعة ضيق، أو زلةً فرضتها طبيعة البشر التي جُبلت على النقص.
ولو أن الناس فقهوا قول الله تعالى:
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، لعلموا أن الخصومات لا تُطفأ بالحطب، وإنما تُطفأ بالماء، وأن النار لا يزيدها النفخ إلا اشتعالًا، وأن القلوب لا تُستصلح باستدعاء الماضي، وإنما تُستصلح بالإحسان الذي يذيب أحقادها، حتى يغدو العدو وليًّا حميمًا، كما وعد بذلك سبحانه.
وجاء رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فاختصر للناس طريق العزة كلها في كلمة واحدة، فقال: «وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا».
لأن العفو ليس تنازلًا كما يظنه ضعاف النفوس، وإنما هو سموٌّ لا يبلغه إلا من ارتفع على سلطان الهوى، وغلب شهوة الانتصار، فأصبح سيد نفسه قبل أن يكون سيد غيره.
وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فما أكثر الأقوياء في أبدانهم، وما أقل الأقوياء في أخلاقهم! إن الرجل قد يغلب ألف رجل، ثم يعجز أن يغلب غضبةً واحدةً في صدره، فيُهدم بها بيتًا عمره عشرون عامًا، أو يقطع بها رحمًا أمر الله أن توصل، أو يمزق بها قلبًا كان بالأمس أقرب القلوب إليه. فيا أيها الإنسان، إن كنت لا بد حافظًا، فاحفظ الجميل، وإن كنت لا بد ذاكرًا، فاذكر الفضل، وإن كنت لا بد فاتحًا لصندوقٍ في قلبك، فافتح صندوق الوفاء، لا صندوق البلاء.
أما الصندوق الذي تمتلئ جوانبه بصور العثرات، وأصداء الكلمات الجارحات، وأنين الأيام الخاليات، فألقِ به في غياهب النسيان؛ فإن القلب الذي يسكنه العفو أوسع من أن تضيق جنباته بحقد، وأكرم من أن يجعل من ماضي إخوانه سلاحًا يشهره في وجوههم كلما غضب. فالنفوس العظيمة لا تنتصر لأنفسها، وإنما تنتصر على أنفسها، ولا تحفظ من الناس ما يعيبهم، وإنما تحفظ ما يزينهم؛ لأن المروءة ليست في قوة الذاكرة، وإنما في شرف النسيان.