صالح الشادي
يحكى أن الطبيب والشاعر المصري إبراهيم ناجي سئل ذات مرة: كيف يجتمع الطب والشعر في قلب رجل واحد؟ فأجاب بأبيات منها:
طبٌ وشعرٌ كيف يتفقانِ؟
وكلاهما هبةٌ من الديانِ
أبيات ناجي تلخص حقيقة بسيطة لكنها جوهرية: الشعر والطب، والشعر وأي مهنة أخرى، ليسا في تنافر، بل يمكن أن يجتمعا في شخص واحد. فالشعر موهبة، والمهنة اكتساب، والموهبة لا تتعارض مع أي تخصص أو عمل.
وإذا تأملنا الشاعر الحقيقي، نجد أنه لم يختر لنفسه أن يكون شاعرًا، بل هو كذلك منذ ولادته، هبة من الله وهبها له، وليست مهنة تعلمها أو حرفة اكتسبها. أما من يتكلف الشعر ويحاول نظمه ، فهو ناظم لا شاعر، والفرق بينهما كالفرق بين من يولد وفي روحه نغمة، ومن يحاول تعلم النغم على آلة لا تعزف. الشاعر الحقيقي لا يقول «سأكون شاعرًا»، بل يقول الناس عنه «هذا شاعر»، لأنه ينطق بما في فطرته، ولا يستطيع كتمان ما في داخله.
أحدثكم من واقع تجربتي. قبل أكثر من عقدين، أصدرت كتبًا كانت نتاج بحوث استمرت سنوات حول عالم الجن من منظور قرآني وتراثي. وبعد صدورها، خرجت للإعلام للحديث عن تلك البحوث، إضافة إلى الشعر طبعا. لكن المفاجأة كانت في بعض ردود الفعل التي وصلتني، وكأن مختصرها: «خلك في الشعر»، أي لا تتحدث إلا عن القصيدة. وتكرر الأمر حين طرحت مؤلفاتي السياسية والفلسفية، التي هي نتاج تخصصي الأكاديمي لأكثر من ثلاثين عامًا. وجدت من ينتقد أو يسخر دون أن يقرأ سطرًا واحدًا مما كتبت. السؤال الذي ظل يراودني: لماذا يصر البعض على أن الشعر مهنة؟ ومن أين جاءت هذه الفكرة، وكأن الشاعر لا يحق له إلا أن يكون شاعرًا، وكأنه اختار هذا الطريق بمحض إرادته، بينما هو في الحقيقة لم يختره، بل اختير له؟
إذا تأملنا نماذج معاصرة، نجد الإجابة واضحة. الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة ووزير التربية والتعليم سابقًا، شاعر معروف، ولم تؤثر مناصبه الكبيرة على شعره، ولا شعره على مناصبه. والدكتور غازي القصيبي رحمه الله ، وزير العمل والكهرباء والصحة سابقًا، كان شاعرًا وأديبًا موسوعيًا، ولم تمنعه مسؤولياته الوزارية من الإبداع. وعبدالعزيز خوجة، الوزير والدبلوماسي المخضرم وعضو مجلس الشورى، شاعر أيضًا، وجمع بين العمل السياسي والأدبي دون أن يرى في ذلك أي تناقض. هؤلاء وغيرهم يثبتون أن الشعر ليس مهنة تحتاج إلى تفرغ، بل موهبة تصاحب الإنسان في أي مجال يعمل فيه، وهي ليست خيارًا مهنيًا، بل هبة ربانية تأتي مع صاحبها حيثما اتجه.
الواقع أن الخلط بين الموهبة والمهنة هو أصل المشكلة. الموهبة هبة، والمهنة وسيلة عيش. والشعر، تاريخيًا، لم يكن يومًا مهنة بالمعنى الضيق. في العصر العباسي، كان القضاة يكتبون الشعر ويتفاخرون به. وفي الأندلس، جمع الأطباء بين المشرط والقلم. وابن سينا كان شاعرًا إلى جانبه طبيبًا وفيلسوفًا. ونزار قباني كان دبلوماسيًا، ومحمود درويش مفكرًا وصاحب مشروع ثقافي متكامل. كل هؤلاء أثبتوا أن التخصص المهني لا ينتقص من الموهبة الشعرية، بل قد يثريها ويمنحها تجارب أوسع. والشاعر الحقيقي لا يكون شاعرًا في أوقات الفراغ فقط، بل يكون كذلك في كل لحظة، في عمله، في حديثه، في صمته، لأن الشعر ليس فعلاً يقوم به، بل هو جزء من تركيبته وكيانه.
ما يلفت الانتباه أن من يرددون «خلك في الشعر» غالبًا لم يقرؤوا حرفا مما كتبته في الفلسفة أو السياسة. حكموا دون معرفة، واكتفوا بأن الشاعر يجب ألا يخرج عن الشعر. لكن هذا الفهم محدود، لأن الشاعر الحقيقي لم يختر الشعر، بل هو مختار له، فكيف يُطلب منه أن يحصر نفسه في قالب ضيق وهو لم يصنع هذا القالب بنفسه؟ الشعر يأتيه، ولا يذهب هو إلى الشعر، وبالتالي لا يمكن أن يكون سجنه. هو فطرته، وفطرته تتسع لكل المعارف.
في النهاية، الشعر موهبة لا ترتبط بمهنة، ولا ينبغي أن تكون سجنًا يحبس صاحبه. التاريخ مليء بالنماذج التي جمعت بين الشعر والعمل في مختلف المجالات. ولعل خير ما نختم به هو أن إبراهيم ناجي نفسه، بقوله «كلاهما هبةٌ من الديانِ»، يذكرنا بأن الشعر والطب كلاهما هبة، وأن من يظن أن الشعر مهنة يبخس الشعراء حقهم في أن يكونوا أكثر من مجرد ناظمي قوافٍ، وأن الشعر الحقيقي ليس اختيارًا، بل قدرًا وهبهم الله إياه منذ أن ولدوا، وليس من العدل أن نطلب منهم التخلي عن بقية قدراتهم الإنسانية بحجة أنهم شعراء.