محمد بن عبدالله العتيق
في حياة الأوطان رجالٌ لا يُقاس حضورهم بعدد الأعوام التي أمضوها في مواقع المسؤولية، وإنما بما تركوه من أثر في الإنسان والمكان. وحين يُذكر اسم صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة تبوك، فإن الحديث يتجاوز حدود المنصب إلى سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمنطقةٍ أحبها، فأحبته، وأخلص في خدمتها، فبادلته الوفاء بالمحبة والدعاء.
منذ أن تسلّم سموه مسؤولية إمارة منطقة تبوك، اختار أن يكون قريبًا من الناس، مؤمنًا بأن التنمية لا تُقاس بما يُنجز من مشروعات فحسب، بل بما ينعكس على حياة المواطن واستقراره وجودة معيشته. وعلى امتداد سنوات طويلة، شهدت المنطقة تحولات كبيرة في بنيتها التحتية، وتطورًا في قطاعات التعليم، والصحة، والنقل، والخدمات، والاستثمار، حتى أصبحت تبوك إحدى أهم المناطق السعودية التي تتجه إليها الأنظار، بما تحتضنه من مشروعات وطنية كبرى، وفي مقدمتها نيوم، ومشروع البحر الأحمر، وأمالا، ضمن رؤية المملكة 2030 التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.
ولم تأتِ هذه المكانة من فراغ، بل كانت ثمرة عملٍ متواصل، ومتابعة دقيقة، وإيمانٍ بأن نجاح أي مسؤول يبدأ من الميدان، ومن معرفة احتياجات الناس، والإنصات إليهم، والعمل على تلبية تطلعاتهم. ولهذا، ظل الأمير فهد بن سلطان حاضرًا في تفاصيل التنمية، قريبًا من المواطنين، يتابع، ويوجه، ويحرص على أن تكون تبوك في المكانة التي تستحقها بين مناطق المملكة.
تسبق هذه المسيرة الإدارية رحلة وطنية حافلة بالعطاء. فقد حصل سموه على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الملك سعود، ثم نال دبلومًا من جامعة جنوب كاليفورنيا، قبل أن يتولى عددًا من المسؤوليات في القطاع الرياضي، من بينها نائب رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم، ونائب رئيس اللجنة الأولمبية العربية السعودية، ورئاسة الاتحادين السعودي والعربي لألعاب القوى، إلى جانب تمثيل المملكة في عدد من المحافل الرياضية الدولية، وهي تجارب أسهمت في صقل شخصيته القيادية، ومنحته خبرة واسعة في الإدارة والعمل المؤسسي.
كما كان لسموه حضور بارز في ميادين العمل الاجتماعي والخيري، فترأس عددًا من اللجان والجمعيات، وأسهم في دعم المبادرات الإنسانية والتنموية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الإنسان هو أساس التنمية، وأن خدمة المجتمع مسؤولية لا تنفصل عن العمل الحكومي.
ينتمي الأمير فهد بن سلطان إلى مدرسة الأمير سلطان بن عبدالعزيز – رحمه الله – تلك المدرسة التي قامت على التواضع، والقرب من الناس، والعمل بصمت، والإيمان بأن أعظم إنجاز يحققه المسؤول هو أن يكسب ثقة المواطنين واحترامهم. وقد انعكس هذا النهج بوضوح في شخصية سموه، فكان مجلسه مفتوحًا، ولقاءاته بالمواطنين مستمرة، ومتابعته لقضاياهم جزءًا أصيلًا من أسلوبه في الإدارة.
ولعل هذا ما يفسر العلاقة الخاصة التي نشأت بين أمير المنطقة وأهالي تبوك. فهذه العلاقة لم تُبنَ على الخطابات، وإنما صنعتها السنوات، ورسختها المواقف. فمن عاش في تبوك يدرك أن الأمير فهد بن سلطان لم يكن بعيدًا عن المجتمع، بل كان حاضرًا في أفراحه، ومشاركًا في مناسباته، ومهتمًا بأحواله، وهو ما جعل كثيرًا من أبناء المنطقة ينظرون إليه بوصفه الأب الحاني، والأخ الكبير، والصديق الذي يجدون عنده الكلمة الطيبة، والاهتمام الصادق، والحرص على مصلحة الجميع.
وقد تجلت هذه المكانة بوضوح خلال الأيام الماضية، عندما عاد سموه إلى منطقة تبوك بعد رحلته العلاجية الموفقة. فلم يكن الاستقبال الذي حظي به مشهدًا رسميًا فحسب، بل كان تعبيرًا صادقًا عن محبة استقرت في قلوب الناس عبر عقود من العطاء. فقد توافد رؤساء المحاكم، ومشايخ القبائل، ومديرو الإدارات الحكومية المدنية والعسكرية، وجموع المواطنين، لاستقباله والاطمئنان على صحته، في صورة جسدت عمق الروابط التي تجمع القائد بأبناء منطقته.
وفي ذلك اللقاء، عبّر صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز عن خالص شكره وامتنانه لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، على ما حظي به من رعاية واهتمام خلال رحلته العلاجية، مؤكدًا أن ما وجده يعكس النهج الإنساني للقيادة الرشيدة في رعاية أبناء الوطن والوقوف إلى جانبهم. كما ثمّن سموه مشاعر أهالي منطقة تبوك، داعيًا الله أن يديم على المملكة أمنها واستقرارها، وأن يحفظ قيادتها وشعبها.
لقد كانت تلك الكلمات امتدادًا لنهجٍ عرفه أبناء المنطقة في أميرهم؛ نهج الوفاء، ورد الجميل، والتقدير لكل من أسدى معروفًا. ولم يكن مستغربًا أن تأتي مشاعر الأهالي صادقة وعفوية، لأن المحبة الحقيقية لا تُصنع بالمناسبات، وإنما تبنيها الأيام، وتؤكدها المواقف، وتحفظها الذاكرة.
وحين يُكتب تاريخ الرجال، فإن بعض الأسماء تتجاوز حدود المناصب، لأنها اقترنت بالعمل والإخلاص والوفاء. والأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز واحد من أولئك الذين تركوا أثرًا واضحًا في مسيرة التنمية، وقدموا نموذجًا للمسؤول القريب من الناس، الحاضر بينهم، والمؤمن بأن خدمة الوطن شرف، وأن خدمة المواطن واجب.
ستظل تبوك تروي للأجيال صفحاتٍ مضيئة من هذه المسيرة، لا لأنها شهدت مشروعات تنموية كبيرة فحسب، بل لأنها عرفت قائدًا آمن بأن الإنسان هو أعظم استثمار، وأن المحبة الصادقة لا تُنال بالمنصب، وإنما تُكتسب بالعمل، وتبقى بالوفاء. ولعل ما أحاط بعودة سموه من مشاعر صادقة، ودعوات مخلصة، وفرحة غامرة، خير شاهد على مكانةٍ صنعها الإخلاص، ورسخها الزمن، وحفظتها قلوب أبناء المنطقة، الذين رأوا في أميرهم قائدًا مخلصًا، وإنسانًا قريبًا، ورجل دولةٍ أفنى سنوات عمره في خدمة دينه، ومليكه، ووطنه، فاستحق كل هذا التقدير والمحبة.