د.شامان حامد
ليست الأزمات الجيوسياسية مجرد اختبارات للأسواق، بل هي في جوهرها اختبارات لعمق الخيارات الاستراتيجية التي تتخذها الدول قبل أن تقع الأزمات بسنوات، فثمة لحظات في تاريخ الاقتصادات لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرتها على الصمود حين تضيق الخيارات وتتشعب الأزمات. فقد عصفت الحرب بالمنطقة وأغلقت أمد مضيق هرمز أطول مما توقعه كثيرون، فكانت مناسبة فارقة لاختبار متانة الاقتصادات الخليجية، وكشفت في وقت واحد عن مكامن الضعف عند بعضها، وعن عمق البنية الاستراتيجية عند سواها، لكن وعند المملكة العربية السعودية وسط هذه المعادلة تقف موقعاً مغايراً لما قد يتوقعه المراقب السريع، لاسيما بعد وقف اتفاقيات متعددة وخرق التعهدات.
كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة عن تفاوت واضح في قدرة اقتصادات المنطقة على امتصاص الصدمة. فبينما خفّض صندوق النقد الدولي في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر هذا الأسبوع توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في عام 2026 بواقع 1.4 نقطة مئوية لتصل إلى 1.7 %، وهو رقم يبدو للوهلة الأولى مخيباً للتوقعات قياساً بما سبقه. فقد نما الاقتصاد عام 2025 بمعدل 4.6 %، وهو أسرع وتيرة خلال ثلاثة أعوام متتالية جاءت فيها معدلات 0.5 % و2.6 % و12 % على التوالي منذ 2022. غير أن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن هذا الرقم ليس علامة هشاشة بقدر ما هو شهادة مقارنة، وحين تعاني العراق والكويت وقطر انكماشاً حاداً في اقتصاداتها خلال العام الجاري، وتُسجل إيران انكماشاً بلغ %5.4، وتتراجع منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى مجتمعةً إلى نمو لا يتجاوز 0.7 %، يصبح 1.7 % للسعودية رقماً مختلف الدلالة تماماً، هنا يأتي السؤال الذي ينبغي أن يُطرح: ليس لماذا انخفض النمو السعودي، بل كيف ظل موجباً في أصعب ظروف المنطقة. والإجابة تُكمن في جزء منه في ما بنته المملكة قبل أن تحدث الأزمة، فخط أنابيب «بترولاين» الممتد من الشرق إلى الغرب بطاقة قصوى تبلغ سبعة ملايين برميل يومياً، وميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر الذي تحوّل إلى منفذ بديل حقيقي، هذان ليسا أصلين لوجستيين عاديين، بل هما قرار استراتيجي اتُّخذ قبل سنوات لا يعلم صانعوه متى ستُستدعى فائدته على وجه التحديد، كما أن تصدّير المملكة خمسة ملايين برميل يومياً عبر ينبع في خضم الاضطراب، وإن كانت دون مستوياتها السابقة التي تجاوزت سبعة ملايين، فتلك ليست مصادفة. وقد انخفض الإنتاج النفطي السعودي خلال مارس الماضي 23 % على أساس سنوي و13 % على أساس شهري ليصل إلى 7.8 ملايين برميل يومياً، وعلى الرغم من ذلك نجحت المملكة في الحفاظ على حضورها في الأسواق العالمية بما لم تستطعه غيرها.
إن المشهد الجلي ها هُنا يتعلق بعام 2027، فيتوقع صندوق النقد الدولي أن ينتعش الاقتصاد السعودي لينمو بنسبة 5.5 %، وهو ما يمثل رفعاً بمقدار 0.9 نقطة مئوية مقارنة بتوقعات أبريل الماضي. هذا الرقم يجعل المملكة مرشحة لتكون ثاني أعلى اقتصاد نمواً بين دول مجموعة العشرين بعد الهند، وأعلى معدل نمو سعودي خلال خمسة أعوام. والأكثر دلالة أن هذه التوقعات تتجاوز ما رسمته وزارة المالية السعودية ذاتها للعام المقبل إذ حددته عند 3.7 %، فكأن الصندوق يرى في الاقتصاد السعودي طاقة انتعاش تفوق ما تُقدّره الحكومة لنفسها. وربما كانت هذه المفارقة تحديداً هي الأجدر بالتأمل، ولا يكتمل المشهد دون الوقوف عند ما تحمله بيانات القطاع الخاص غير النفطي، الذي يسجل في هذه الأثناء أعلى وتيرة نمو منذ أربعة أشهر. هذا المؤشر هو الأهم في الواقع، لأنه يُخبرنا بشيء أعمق من حركة النفط في ظل اضطراب مرحلي. إذ يكشف أن التنويع الاقتصادي الذي تسعى إليه رؤية 2030 ليس شعاراً موسمياً، بل مساراً حقيقياً باتت مؤشراته مرئية في أوقات الضغط تحديداً، وهي الأوقات التي يُفرز فيها الاقتصاد معدنه الحقيقي.
ما تكشفه هذه الأرقام مجتمعةً هو أن المملكة العربية السعودية دخلت مرحلة ما بعد الأزمة بأقل الجراح وأكثر الدروس ثمناً. لم تكن اضطرابات هرمز اختباراً نجحت فيه بالصدفة، بل أفادت من استثمارات تحتية وتنويع اقتصادي تراكم على مدى سنوات. وحين يُقدّر الصندوق نمواً بنسبة 5.5 % لعام واحد بات قريباً، فإن الرسالة الأعمق هي أن الاقتصادات التي تبني في وقت الرخاء هي وحدها التي تحصد في وقت الضيق. والسعودية كانت تبني.