د. غالب محمد طه
اطلعت في مجلة الصحافة الصادرة عن معهد الجزيرة للإعلام على حوار لافت مع أستاذ الصحافة بجامعة السوربون، أوليفييه كوش، تناول فيه قضية تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تمس العلاقة بين الإنسان والمعرفة: آليات اختيار أنظمة الذكاء الاصطناعي للمصادر الإخبارية التي تستند إليها عند الإجابة عن أسئلة المستخدمين.
غير أن القراءة المتأنية للحوار تكشف عن تحول أعمق في بنية المجال الإعلامي؛ فلم تعد المنافسة تقتصر على سباق إنتاج الأخبار، بل انتقلت إلى ساحة أكثر حساسية هي التحكم في مسارات الوصول إليها. وإذا كانت المؤسسات الإعلامية قد تنافست لعقود على امتلاك المنابر والمنصات، فإن المعركة اليوم تنتقل تدريجياً إلى امتلاك الطريق الذي تعبر من خلاله المعرفة إلى الجمهور.
انطلق كوش من تجربة استكشافية امتدت لشهرين، كان يطرح يومياً على ChatGPT، بوصفه أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، السؤال نفسه: «ماذا حدث في غزة أمس؟»، ثم يجمع المصادر التي استند إليها النظام ويحللها. ولم يكن هدفه تقييم الأداة أو إصدار أحكام عليها، بل محاولة فهم منطق اختيار المصادر في ظل غياب معلومات معلنة من الشركات المطورة حول المعايير التي تحكم هذه العملية.
وأظهرت التجربة أن المصادر التي اعتمدت عليها الإجابات لم تقتصر على المؤسسات الإعلامية، وشملت أيضاً مواقع حكومية ومراكز أبحاث وهيئات مختلفة. ولم تعد الصحافة بالنسبة لأنظمة الذكاء الاصطناعي المصدر الوحيد لفهم الواقع، وأصبحت جزءاً من منظومة معلوماتية أوسع تتجاور فيها المؤسسات الإعلامية والرسمية والأكاديمية.
في حدود العينة التي درسها، لاحظ كوش حضوراً أوضح للمؤسسات الإعلامية الكبرى مقارنة بالعديد من وسائل الإعلام المستقلة. ويعود ذلك، على الأرجح، إلى اتساع أرشيفها، وكثافة إنتاجها، وحضورها الرقمي، وليس بالضرورة إلى تفوق نوعي في المحتوى. وبهذا المعنى، تجد الصحافة المستقلة نفسها أمام تحدٍ جديد؛ إذ لم يعد يكفي سعيها للوصول إلى الجمهور، بل أصبحت مطالبة أيضاً بتعزيز حضورها داخل البيئات الرقمية التي تعتمد عليها أدوات الذكاء الاصطناعي في استرجاع المعلومات.
ومن أبرز الملاحظات التي سجلها كوش، الهيمنة الواضحة للمصادر الناطقة بالإنجليزية، ولا سيما الأميركية، حتى عند تناول أحداث تهم مناطق أخرى من العالم.
ولا يقدم تفسيراً قاطعاً لهذه الظاهرة، لكنه يرى أنها تستحق التوقف، لأنها قد تعكس استمرار اختلالات القوة داخل الفضاء الرقمي العالمي، وما يحمله ذلك من آثار على توزيع النفوذ الإعلامي والثقافي.
لا يبدو الأمر مرتبطاً بانحياز مقصود داخل الخوارزميات بقدر ما يرتبط بطبيعة البيانات التي تتعلم منها؛ فالفضاء الرقمي نفسه غير متوازن، إذ تنتج بعض المؤسسات محتوى أكثر، وتنشر بوتيرة أعلى، وتتمتع بحضور رقمي أوسع، مما يزيد احتمالات ظهورها في مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي. وبهذا المعنى، تعيد هذه الأنظمة إنتاج تفاوتات قائمة أصلاً بدلاً من تجاوزها.
ورغم اختلاف آليات عمل أدوات الذكاء الاصطناعي باختلاف النموذج المستخدم، ولغة السؤال، وإعدادات البحث، فإن ما تكشفه هذه التجربة يتجاوز نتائجها المباشرة، إذ تطرح قضية أكثر عمقاً تتعلق بغياب الشفافية في معايير اختيار المصادر، وهي مسألة لا تهم مطوري هذه الأنظمة وحدهم، بل تعني أيضاً المؤسسات الإعلامية والجمهور على حد سواء.
لعل الفارق الجوهري بين هذه المرحلة وعصر محركات البحث يكمن في أن المؤسسات الإعلامية كانت تعرف، ولو بصورة جزئية، القواعد التي تساعدها على تحسين ظهورها عبر تقنيات تحسين محركات البحث. أما في البيئة الإعلامية الحالية، فلا تزال معايير اختيار المصادر داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي غير معلنة، مما يضع الناشرين أمام منافسة لا يعرفون قواعدها، ويجعل الظهور في مخرجات هذه الأنظمة أكثر غموضاً من أي وقت مضى.
ولم يعد امتلاك المعلومة وحده كافياً لضمان وصولها إلى الجمهور، بل أصبحت القدرة على عبور طبقات الترشيح الخوارزمي جزءاً من عملية إنتاج المعرفة. وهنا تنتقل المنافسة من صناعة المحتوى إلى صناعة قابلية الاكتشاف، وهي ساحة جديدة يعاد فيها توزيع النفوذ داخل البيئة الإعلامية.
يمتد أثر هذا التحول إلى البعد الاقتصادي أيضاً، فكلما حصل المستخدم على إجابة مباشرة من أدوات الذكاء الاصطناعي دون زيارة المواقع الإخبارية، تراجعت الزيارات التي تعتمد عليها المؤسسات الصحفية في دعم استدامتها المالية.
وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن خدمات الإجابة المباشرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسهمت في انخفاض الزيارات العضوية إلى مواقع الناشرين بنسب تراوحت بين 20 و23 في المئة.
وهذا يفسر تنامي اهتمام المؤسسات الإعلامية بإعادة صياغة علاقتها بشركات الذكاء الاصطناعي، سواء عبر اتفاقيات ترخيص المحتوى أو المطالبة بمزيد من الشفافية بشأن استخدامه.
ويمتد هذا التحول أيضاً إلى طبيعة العمل الصحفي نفسه. ففي هذا المشهد المتغير، يتغير دور الصحفي، إذ لم تعد قيمة العمل الصحفي كامنة في نقل الخبر وحده، بعدما أصبحت الآلات قادرة على تلخيص الأخبار وتجميعها في ثوانٍ، وإنما تتجسد في إنتاج السياق، والتحقق من الوقائع، وبناء المعنى، وربط الأحداث بخلفياتها السياسية والاجتماعية والإنسانية. وهي الوظائف التي تمنح العمل الصحفي قيمته في بيئة تتزايد فيها قدرة الآلات على معالجة المعلومات دون امتلاك الخبرة الإنسانية في تفسيرها أو مساءلتها.
لقد شهدت الصحافة تحولاً مشابهاً مع صعود محركات البحث، عندما أعادت المؤسسات الإعلامية صياغة عناوينها وأساليب كتابتها بما يتوافق مع قواعد الظهور الرقمي. لكن التحدي اليوم أكثر تعقيداً، لأن قواعد الظهور نفسها لم تعد معروفة، ولأن الوسيط الجديد لا يكتفي بإحالة المستخدم إلى الخبر، بل يقدم له الخبر في صورة إجابة جاهزة، وهو ما يعيد تعريف العلاقة بين المنتج الإعلامي والمتلقي.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على المؤسسات الإعلامية، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، فكلما ازداد اعتماد الأفراد على أدوات الذكاء الاصطناعي لفهم الأحداث، ازدادت أهمية الشفافية في كيفية اختيار المصادر وترتيبها، فالمعرفة لا تتشكل بالمعلومات وحدها، وإنما أيضاً بالآليات التي تنظم تدفقها وتحدد ما يصل إلى الجمهور وما يبقى خارجه.
لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل الصحافة، فهذه الأخيرة تتجاوز نقل الوقائع إلى التحقيق والتدقيق والمساءلة وبناء المعنى العام. لكن تجاهل هذا التحول ليس خياراً، لأنه يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة بصورة تدريجية، ويغير في الوقت نفسه موازين القوة داخل المجال الإعلامي.
لم يخرج أوليفييه كوش من تجربته بإجابة نهائية عن الكيفية التي تختار بها أنظمة الذكاء الاصطناعي مصادرها، بل بمجموعة من الملاحظات التي تستحق مزيداً من البحث. لكن أهمية هذه التجربة لا تكمن في نتائجها وحدها، بل في أنها تنقل النقاش من سؤال تقني حول اختيار المصادر إلى قضية أعمق تتعلق ببنية المجال الإعلامي نفسه.
فمع انتقال المنافسة من إنتاج الخبر إلى التحكم في مسارات الوصول إليه، أصبحت الخوارزميات طرفاً مؤثراً في تشكيل المجال العام، لا مجرد وسيط لنقل المعلومات. ولهذا، لم يعد الطريق إلى المعرفة محايداً.