مهدي آل عثمان
قد يبدو السؤال بسيطاً للوهلة الأولى، لكن الإجابة عنه ليست بالسهولة التي نتخيلها. فكل إنسان يعتقد أنه يعيش حراً، ويتخذ قراراته بإرادته، ويسير في حياته وفق ما يراه مناسباً. غير أن التوقف قليلاً أمام تفاصيل الحياة اليومية يكشف أن الإنسان قد يكون محاطاً بقيود لا يراها، وأسيراً لأشياء يظن أنه يملكها، بينما هي التي تملكه.
فالحرية ليست مجرد غياب القيود، وليست أن يفعل الإنسان ما يشاء دون اعتبار لحقوق الآخرين أو لأنظمة المجتمع أو قيمه. ولو كانت الحرية تعني إطلاق العنان للرغبات بلا ضابط، لما احتاج البشر إلى قوانين، ولا قامت الحضارات على أنظمة تحفظ الحقوق وتحدد الواجبات. إن الحرية الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية، وكلما ازدادت مسؤولية الإنسان، ازدادت قيمة حريته.
ولعل أول سؤال ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه، من الذي يقود قراراتي. وهل أنا من أختار، أم أن هناك من يختار عني. فكم من شخص يغير قناعاته ليرضي الآخرين، أو يتبنى رأياً لأنه الأكثر انتشاراً، أو يشتري ما لا يحتاجه لأنه تأثر بإعلان، أو يقلد أسلوب حياة لا يناسبه خوفاً من أن يبدو مختلفاً. عندها تصبح الحرية مجرد شعور، بينما القرار الحقيقي تصنعه مؤثرات خارجية لا نكاد نشعر بها.
وفي زمن التقنية، أصبح الإنسان أكثر اتصالاً بالعالم، لكنه قد يكون أقل اتصالاً بنفسه.
فمنصات التواصل الاجتماعي منحت الجميع مساحة للتعبير، لكنها في الوقت ذاته صنعت رأياً عاماً سريع التأثير، وأصبحت الخوارزميات تقترح ما نقرأ، وما نشاهد، بل وحتى ما نفكر فيه أحياناً. فإذا أصبح الإنسان لا يستطيع الابتعاد عن هاتفه ساعات قليلة، أو يشعر بالقلق إذا انقطع عن متابعة الآخرين، فهل يملك حريته كاملة، أم أصبح أسيراً لعالم رقمي يوجه اهتمامه ووقته.
ومن صور فقدان الحرية أيضاً أن يصبح الإنسان أسيراً لعاداته، أو لشهواته، أو لغضبه، أو لطموح لا يعرف له حدوداً. فقد يبدو حراً في الظاهر، لكنه في الحقيقة مقيد بقيود صنعتها نفسه قبل أن يصنعها المجتمع.
وما من عبودية أشد من عبودية الإنسان لهواه، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بأبلغ بيان في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}، فالإنسان حين يجعل هواه المرجع الذي يحكم قراراته، يفقد حريته الحقيقية ويغدو أسيراً لرغباته ونزواته. ولذلك كان تهذيب النفس وضبطها من أعظم صور التحرر، لأن الحرية ليست في إطلاق الشهوات، بل في القدرة على التحكم بها، حتى يكون الإنسان سيد قراره لا عبداً لهواه.
كما أن المجتمع نفسه قد يفرض قيوداً غير مكتوبة، فيخشى بعض الناس التعبير عن أفكارهم، أو الإبداع في أعمالهم، أو اختيار مسارات مختلفة في حياتهم، خوفاً من النقد أو الاستهزاء أو مخالفة المألوف. ولا شك أن احترام الأعراف الإيجابية قيمة اجتماعية مهمة، لكن تحويلها إلى حاجز يمنع التفكير والإبداع يضيق مساحة الحرية التي يحتاجها المجتمع للتطور.
ومن جانب آخر، هناك من يسيء فهم الحرية، ويجعلها مبرراً لتجاوز الأنظمة أو الاعتداء على حقوق الآخرين أو الإساءة إليهم باسم الرأي الشخصي. وهذا فهم يبتعد عن حقيقة الحرية، لأن الحرية التي تهدم حقوق الناس ليست حرية، وإنما فوضى وتجاوز على حقوق الأخرين. وقد قامت المجتمعات المستقرة على معادلة واضحة، وهي «حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حقوق الأخر». ولذلك فإن الالتزام بالنظام لا ينتقص من الحرية، بل يحميها، ويجعل الجميع قادرين على ممارسة حقوقهم في إطار من العدالة والاحترام المتبادل.
وفي المملكة العربية السعودية، تعيش الدولة مرحلة تحول كبيرة ضمن رؤية المملكة 2030، وهي رؤية لم تقتصر على التنمية الاقتصادية فحسب، بل سعت إلى توسيع الفرص أمام الإنسان في التعليم والعمل والاستثمار والثقافة والترفيه وريادة الأعمال، بما يمنح الفرد مساحة أوسع لاختيار مستقبله وصناعة نجاحه، مع المحافظة على الهوية الوطنية والقيم الإسلامية التي تشكل أساس المجتمع. وهذا يؤكد أن الحرية لا تتعارض مع النظام، بل تزدهر في بيئة يسودها الاستقرار وسيادة القانون.
إن الحرية الحقيقية لا تبدأ عندما تزول القيود الخارجية، وإنما عندما يتحرر العقل من الجهل، والنفس من الهوى، والقرار من التبعية، والضمير من المصلحة الشخصية الضيقة. عندها فقط يصبح الإنسان قادراً على أن يقول نعم حين يقتنع، ولا حين يجب أن يرفض، وأن يسير في طريقه بثقة، دون أن يكون أسيراً لرأي عابر أو تأثير مؤقت.
فهل نحن أحرار حقاً، أم أننا ما زلنا نبحث عن الحرية في الخارج، بينما مفتاحها الحقيقي يقبع في أعماقنا.