د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
ثمة سؤال يتجاوز حدود الوعظ المباشر إلى عمق بناء الإنسان: ماذا يبقى من استقامته وصلاحه حين يغيب الرقيب؟
ومن الحقائق الكبرى التي قررها القرآن الكريم أن الإيمان لا يُنشأ في القلوب بالإكراه، قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99). وقد لفت ابن عاشور رحمه الله في تفسير الآية إلى تفاوت الناس في إدراك الحقائق، وما يتهيأ به الإنسان لـ«النظر الصحيح وحسن الوعي لدعوة الخير». ومن هنا تبرز حقيقة تتصل ببناء الإنسان: أن الإلجاء قد يغير ظاهر السلوك، لكنه لا يملك وحده أن ينشئ الإيمان في القلب أو يرسخ القيمة في النفس؛ فالقيمة لا يكفي أن تظهر في السلوك تحت ضغط الخارج، بل لا بد أن تُبنى في الداخل حتى تصبح وازعًا يصحب الإنسان في اختياراته.
ولعل من أبلغ ما يكشف حقيقة الإنسان عند غياب الرقيب قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ثوبان رضي الله عنه: «ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». فالخلوة هنا لحظة ينكشف فيها مقدار ما استقر في النفس من مراقبة الله تعالى، وحينئذ يظهر الفارق بين من يحجزه حضور الرقيب، ومن يحجزه حضور الإيمان في قلبه.
قد تمنع الرقابة الإنسان من الخطأ ما دامت عين الرقيب مفتوحة، أما الوازع الداخلي فيصحبه حين تغيب العيون.
إن الخلط بين الضبط السلوكي والبناء القيمي من أكثر الأخطاء شيوعًا في تقييم نجاح المؤسسات الدعوية. فالضبط السلوكي يهدف إلى حمل الإنسان على الالتزام بالقواعد، وقد يكون باعثه الخوف من العقوبة، أو خشية الفضيحة، أو احترام النظام. أما البناء القيمي فيتجه إلى ما هو أعمق؛ إذ يسعى إلى تشكيل الوعي والإرادة وترسيخ الوازع، حتى يصبح فعل الخير واختيار الصواب نابعين من الإيمان والقناعة، لا مجرد استجابة لضغط خارجي.
ولهذا قد ينجح مجتمع ما في تقليل المخالفات، دون أن ينجح بالقدر نفسه في ترسيخ القيم في النفوس. فالانضباط الظاهر لا يعني دائمًا أن الباعث الداخلي قد اكتمل، كما أن غياب المخالفة لا يكشف وحده عن سبب غيابها.
فالرقابة تحمي حدود السلوك، والوازع يحرس الإنسان من داخله.
ومن هنا تختلف وظيفة المؤسسة الدعوية عن وظيفة المؤسسة الرقابية؛ فالأجهزة الرقابية تركز على ضبط السلوك والحد من آثاره وحماية المجتمع من الانحراف، أما الدعوة فتتجه إلى بناء الباعث الذي يشكل السلوك من داخله. الأولى تستعين بالنظام والجزاء، والثانية تبني الإيمان والقناعة والوازع.
ولذلك فإن قياس نجاح المؤسسات الدعوية بمؤشرات النشاط وحدها -من عدد المحاضرات، أو كثافة البرامج، أو حجم المحتوى المنشور- قد يحجب السؤال الأهم: هل أسهمت هذه الجهود في بناء وازع حي، أم اكتفت بإنتاج امتثال مؤقت؟
وليس هذا التفريق غريبًا عن المنهج القرآني؛ فالوحي لم يكتفِ بتنظيم ظاهر السلوك، بل اعتنى ببناء البواعث التي تحركه. ويكشف تدرج التشريع عن عناية عميقة بترسيخ الإيمان والتزكية ومراقبة الله تعالى في النفوس، إلى جانب الأحكام المنظمة لحياة الإنسان؛ فالبناء الإسلامي لا يقوم على إنسان تردعه العقوبة وحدها، بل على إنسان يردعه وازعه الإيماني قبل أن تردعه العقوبة.
ومن هنا جاء تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فالإحسان لا يقوم على تشديد الرقابة الخارجية، بل على ترسيخ استحضار مراقبة الله تعالى في النفس؛ ذلك الاستحضار الذي يصحب الإنسان حين تحضر عيون الناس وحين تغيب.
من السهل أن يبدو الإنسان مستقيم السلوك أمام الناس، وأن يعلن رفضه للأخطاء الأخلاقية وينكر على مرتكبيها، كما يستطيع النظام أن يحمل الناس على قدر من الانضباط ما دامت أدوات الرقابة حاضرة. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين تغيب السلطة، وتتعطل الكاميرات، ويصبح الإنسان قادرًا على الفعل دون أن يكتشفه أحد؛ عندها لا يُختبر مقدار ما يحفظه من الأحكام فحسب، بل مقدار ما استقر في نفسه من قيم. ولعل هذا من المعاني التي تتصل بالتزكية في البناء الإسلامي، قال تعالى:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10].
فالتزكية ليست مجرد تعليم الإنسان ما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يترك، بل بناء نفسه وتهذيبها حتى تقوى فيها دوافع الخير وموانع الشر.
ولنتأمل موظفًا في إحدى الجهات يستطيع تمرير معاملة لمصلحة خاصة دون أن يكتشفه أحد، أو تاجرًا يستطيع إخفاء عيب في سلعته، أو طالبًا يؤدي اختبارًا إلكترونيًا تتهيأ له فيه فرصة الغش. في هذه المواقف لا يكون السؤال دائمًا: هل يعرف الإنسان الحكم؟ فغالبًا هو يعرفه. وإنما السؤال الأعمق: ما الذي يمنعه من مخالفته؟
فإذا كان الذي يردعه احتمال العقوبة، فقد نجح النظام في أداء جانب من وظيفته. أما إذا كان الذي يمنعه استحضار نظر الله تعالى إليه، فقد أثمر البناء الإيماني والتربوي وازعًا يصحب الإنسان حين لا يراه أحد.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الدعوية ليس أن تكرر ما يعرفه الناس من الأحكام فحسب، وإنما أن تحول المعرفة إلى قناعة، والقناعة إلى وازع، والوازع إلى سلوك ثابت. فالفارق بين أن يعرف الإنسان الصواب، وأن يختاره حين يستطيع مخالفته، هو الفارق بين مجرد المعرفة ورسوخ القيمة في النفس.
ولا يعني ذلك التقليل من شأن الأنظمة والرقابة؛ فالشريعة أقامت من الأحكام والجزاءات ما يحفظ الحقوق ويصون المجتمع، والأنظمة والقوانين ضرورة لاستقامة الحياة. لكن أدوات الضبط الخارجي، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها الدخول إلى أعماق النفس حيث تتشكل النيات والدوافع.
ولهذا فإن المجتمع الذي يقوى فيه الوازع الداخلي تخف فيه الحاجة إلى ملاحقة كل سلوك بأداة رقابية؛ لأن الإنسان يصبح رقيبًا على نفسه قبل أن يخضع لرقابة غيره.
إن الرسالة الحضارية للمؤسسات الدعوية ليست أن تضيف رقيبًا جديدًا إلى المجتمع، بل ان تبني إنسانًا يحمل رقيبه في داخله. إنسانًا يظل وفيًا لقيمه حين يراه الناس وحين يغيبون عنه؛ لا لأن المخالفة مستحيلة، ولا لأن العقوبة قريبة، وإنما لأن الإيمان الذي استقر في قلبه أصبح حاضرًا في لحظة الاختيار.
فحين يغيب الرقيب، يظهر ما نجحنا حقًا في بنائه داخل الإنسان.
** **
أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا - عضو هيئة التدريس المتعاون بجامعة الأمير سلطان