د.عبدالله الفايز
أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أكثر التطورات التكنولوجية تداولاً في القرن الحادي والعشرين، حتى باتت الحكومات والشركات والجامعات ووسائل الإعلام تقدمه بوصفه الحل النهائي لمعظم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وقد أدى الظهور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى تعزيز هذا الانطباع، مما أوحى للكثيرين بأن الذكاء الاصطناعي وحده يمثل مستقبل العلم والابتكار والتنمية. كما أصبح محوراً رئيسياً للنقاشات العالمية حول التكنولوجيا، واستقطب استثمارات غير مسبوقة، وألهم إستراتيجيات وطنية، وأعاد تشكيل العديد من القطاعات بوتيرة متسارعة. ورغم أن هذه الإنجازات تستحق التقدير بلا شك، فإنني أرى أن العالم أصبح منبهراً بالذكاء الاصطناعي إلى حد المبالغة، بل وأصبح يمنحه دوراً يفوق حجمه الحقيقي. فالحماس العالمي الحالي يغفل حقيقة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي ليس الثورة الرقمية بأكملها، وإنما هو الجزء الظاهر فقط من جبل جليد تكنولوجي ضخم. إنه تقنية تمكينية وليست حلاً مستقلاً، وتعتمد فاعليته على منظومة أوسع بكثير تضم العلوم الرقمية، والكوانتوم كومبيوتنق، والروبوتات، البنية التحتية، والحوكمة، والعديد من التقنيات المساندة والمتكاملة.
فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع بمفرده تقديم حلول شاملة للتحديات المعقدة التي تواجه البشرية، ولا يمكنه أن يحل محل الحكم البشري، أو التفكير الاستراتيجي، أو الحوكمة، أو القدرات المؤسسية، أو الإبداع، أو المنطق الأخلاقي، أو المعرفة متعددة التخصصات، أو الرؤية بعيدة المدى. وإنما تتمثل وظيفته الأساسية في كونه مساعداً حسابياً ذكياً قادراً على معالجة كميات هائلة من البيانات، واكتشاف الأنماط والعلاقات، وإنتاج التنبؤات، وأتمتة المهام المتكررة، ودعم متخذي القرار. وتكمن قوته الحقيقية في تعزيز قدرات الإنسان وليس استبداله، ولذلك ينبغي النظر إليه باعتباره أداة متقدمة تساعد الإنسان، بينما تبقى الخبرة البشرية والإشراف والمسؤولية عناصر لا غنى عنها.
ومن الناحية التقنية، تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة بصورة أساسية على توافر بيانات عالية الجودة، وقدرات حاسوبية متقدمة، وخوارزميات معقدة، وتقنيات تعلم الآلة. وهي لا تنتج استنتاجاتها لأنها «تفهم» العالم أو تمتلك وعياً أو إدراكاً حقيقياً، وإنما لأنها تتعرف على العلاقات الإحصائية داخل البيانات التي تدربت عليها. ورغم التطور الكبير الذي شهدته هذه الأنظمة، فإنها ما تزال أنظمة احتمالية تعتمد على حساب أكثر الإجابات ترجيحاً استناداً إلى الأنماط السابقة، وليس على التحقق من الحقيقة الموضوعية. ولهذا فإن جودة مخرجاتها ترتبط مباشرة بجودة البيانات التي تتعلم منها، سواء من حيث اكتمالها أو دقتها أو حداثتها أو تمثيلها للواقع. ومن هنا تبقى القاعدة المعروفة في علوم الحاسب صحيحة دائماً: «إذا كانت المدخلات رديئة، فإن المخرجات ستكون رديئة».
ومن أبرز التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي اليوم الاعتقاد الخاطئ بأن المعلومات التي ينتجها صحيحة لمجرد أنها مكتوبة بلغة متماسكة وواثقة. فالواقع أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنتج معلومات خاطئة أو مضللة أو مختلقة بالكامل، وتقدمها بثقة عالية، وهي الظاهرة التي أصبحت تعرف باسم «هلوسة الذكاء الاصطناعي». وتحدث هذه الهلوسة لأن النظام صُمم للتنبؤ بأكثر تسلسل لغوي احتمالاً، وليس للتحقق المستقل من صحة المعلومات أو التمييز بين الحقيقة والخيال. ولذلك قد يخترع مراجع علمية غير موجودة، أو يؤلف أحكاماً قضائية وهمية، أو ينسب أقوالاً إلى باحثين لم يقولوها، أو يقدم أحداثاً تاريخية لم تقع، أو يشرح مفاهيم علمية بصورة غير صحيحة، أو ينتج حسابات هندسية ورياضية خاطئة، وكل ذلك بلغة تبدو مقنعة للقارئ، مما يجعل اكتشاف هذه الأخطاء أمراً صعباً، خاصة بالنسبة لغير المتخصصين.
وتترتب على هذه المحدودية آثار بالغة الأهمية في مختلف المهن. ففي الطب قد تؤدي التوصيات غير الدقيقة إلى التأثير في القرارات العلاجية إذا لم تخضع للمراجعة من قبل المختصين. وفي الهندسة والعمارة والتخطيط الحضري قد تؤدي التحليلات أو التصاميم غير الصحيحة إلى مشكلات تتعلق بالسلامة والكفاءة التشغيلية. وفي المجال القانوني قد يؤدي الاستناد إلى أحكام أو نصوص مختلقة إلى أخطاء مهنية جسيمة. أما في البحث العلمي، فإن استخدام مراجع أو اقتباسات غير موجودة يهدد النزاهة الأكاديمية ويضعف مصداقية الدراسات المنشورة. وحتى في التعليم، قد يكتسب الطلاب معلومات غير صحيحة إذا اعتمدوا على مخرجات الذكاء الاصطناعي دون مراجعة نقدية. ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُعامل بوصفه مرجعاً نهائياً، بل باعتباره مساعداً ذكياً يحتاج دائماً إلى التحقق والتدقيق من قبل الإنسان.
ومن القيود الأساسية الأخرى جودة البيانات نفسها، فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يتجاوز جودة البيانات التي يتعلم منها. فكثير من قواعد البيانات تحتوي على معلومات ناقصة أو قديمة أو متحيزة أو غير ممثلة لجميع فئات المجتمع، ولذلك فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي ترث هذه العيوب وتعيد إنتاجها، بل وقد تضخمها أحياناً. ويظهر ذلك في تطبيقات التوظيف، والرعاية الصحية، والتمويل، والتعليم، والإسكان، والعدالة الجنائية، والخدمات الحكومية، حيث يمكن أن تؤدي البيانات المتحيزة إلى قرارات متحيزة. ومن ثم فإن معالجة التحيز الخوارزمي لا تمثل تحدياً تقنياً فحسب، بل قضية أخلاقية ومؤسسية تتطلب حوكمة شفافة، وبيانات متنوعة، ورقابة مستمرة، ومراجعات دورية.
كما تمثل الشفافية تحدياً آخر، إذ تعمل العديد من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة باعتبارها «صناديق سوداء»، تقدم نتائج دقيقة دون أن توضح بصورة مفهومة كيف وصلت إليها. ويجعل ذلك مساءلة هذه الأنظمة أمراً معقداً، خاصة في القطاعات التي تؤثر قراراتها في حياة الناس أو أمنهم أو حقوقهم القانونية أو استقرارهم المالي. ولهذا أصبح تطوير نماذج ذكاء اصطناعي قابلة للتفسير والتدقيق مطلباً أساسياً لبناء الثقة.
ويثير الذكاء الاصطناعي كذلك تحديات متزايدة تتعلق بالمعلومات المضللة والأمن السيبراني والثقة الرقمية. فقد أصبح بالإمكان إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية ومرئية مزيفة بدرجة عالية من الواقعية، مما يسهل إنتاج الأخبار الكاذبة، وانتحال الشخصيات، والتلاعب بالرأي العام، والاحتيال الإلكتروني، والهجمات السيبرانية، وصناعة المحتوى المضلل على نطاق واسع. وكلما ازدادت هذه التقنيات تطوراً، أصبح من الأصعب على المجتمعات والمؤسسات التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً للإعلام، والديمقراطية، والأمن الوطني، والثقة المجتمعية.
وتبرز كذلك قضية الخصوصية، إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على جمع وتحليل كميات ضخمة من البيانات الشخصية والتجارية والحكومية والطبية. وإذا لم تخضع هذه البيانات لأطر قوية من الحوكمة والأمن السيبراني، فإنها تصبح عرضة للاختراق أو سوء الاستخدام أو انتهاك الخصوصية. كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها قد تتعرض لهجمات تستهدف التلاعب بنتائجها أو تسميم بياناتها أو استغلال نقاط ضعفها، الأمر الذي يجعل الأمن السيبراني جزءاً لا يتجزأ من مستقبل الذكاء الاصطناعي.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيداً مما يبدو. فمن جهة، سيسهم في رفع الإنتاجية وتحفيز الابتكار وخلق صناعات جديدة، لكنه في المقابل سيؤدي إلى أتمتة عدد كبير من الوظائف والمهام المعرفية والإدارية الروتينية، الأمر الذي سيغير طبيعة سوق العمل بصورة جذرية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في قدرة المجتمعات على إعادة تأهيل القوى العاملة، وتطوير التعليم، وتعزيز التعلم المستمر، وتمكين الأفراد من اكتساب مهارات جديدة تتوافق مع الاقتصاد الرقمي.
ومن القيود التي لا تحظى بالاهتمام الكافي أن المعرفة البشرية تتغير باستمرار. فالاكتشافات العلمية، والمعايير الهندسية، والأنظمة القانونية، والسياسات العامة، والتطورات الاقتصادية والجيوسياسية تتبدل بصورة متواصلة. وإذا لم تكن أنظمة الذكاء الاصطناعي مرتبطة بمصادر موثوقة ومحدثة، فإنها قد تقدم معلومات أصبحت متجاوزة أو غير دقيقة. ولذلك يظل الإنسان هو الطرف القادر على تقييم السياق، والتحقق من الأدلة، واتخاذ القرارات المسؤولة.
ولعل أكبر سوء فهم يتعلق بالذكاء الاصطناعي هو الاعتقاد بأنه يمتلك ذكاءً يماثل الذكاء البشري. فالإنسان يتميز بالإبداع، والحدس، والوعي، والفهم الأخلاقي، والتعاطف، والخيال، والحس السليم، والإدراك الثقافي، والقدرة على تحمل المسؤولية. أما الذكاء الاصطناعي فلا يمتلك وعياً أو مشاعر أو نية أو قيماً أو فهماً حقيقياً، وإنما ينفذ عمليات حسابية متقدمة لاكتشاف الأنماط داخل البيانات. ولذلك فهو يمثل قوة حسابية معززة، وليس عقلاً بشرياً بديلاً.
ولا ينبغي أن تحجب القدرات المذهلة للذكاء الاصطناعي حقيقة أنه يعتمد اعتماداً كاملاً على منظومة تقنية أوسع. فهو لا يعمل بمعزل عن تقنيات المعلومات والاتصالات، والحوسبة السحابية، والحوسبة عالية الأداء، وشبكات الاتصالات، والأمن السيبراني، وحوكمة البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والإشراف البشري المستمر. ومن دون هذه المكونات الأساسية لن يكون للذكاء الاصطناعي قيمة عملية تذكر.
ولهذا أرى أن من الضروري أن يوسع الباحثون وصناع القرار والممارسون والأكاديميون نظرتهم إلى ما هو أبعد من الذكاء الاصطناعي وحده. فمستقبل التحول الرقمي لن تصنعه تقنية واحدة، بل سيقوده تكامل منظومة واسعة من التقنيات تشمل تقنيات المعلومات والاتصالات، وتعلم الآلة، والتوائم الرقمية، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، وتحليلات البيانات الضخمة، والشبكات العصبية، وسلاسل الكتل، والحوسبة السحابية، والحوسبة الطرفية، والحوسبة الكمية، والتقنيات الجيومكانية، والواقع الممتد، والميتافيرس، والأنظمة الذاتية، وأجهزة الاستشعار الذكية، وشبكات الاتصالات المستقبلية. فلكل تقنية دور لا تستطيع التقنيات الأخرى أن تؤديه بمفردها، وتتكامل جميعها لتشكيل منظومة رقمية متكاملة.
وتتجلى أهمية هذا التكامل بصورة خاصة في نظرية العمران الرقمي الذكي (Smart Digital Urbanism)، (كتاب د. عبدالله الفايز) التي لا ينبغي فهمها على أنها نظرية للذكاء الاصطناعي، وإنما إطار علمي شامل يدمج التقنيات الرقمية مع التخطيط الحضري، والحوكمة، وإدارة البنية التحتية، والاستدامة البيئية، والتنمية الاقتصادية، والمشاركة المجتمعية، والتنسيق المؤسسي. وفي هذا الإطار، يؤدي الذكاء الاصطناعي دور أحد المحركات التحليلية المهمة التي تدعم اتخاذ القرار، لكنه لا يمثل النظرية نفسها ولا يهيمن عليها. فذكاء العمران الرقمي الذكي ينشأ من تكامل مختلف التقنيات مع الإدارة الرشيدة والخبرة الإنسانية، وليس من الذكاء الاصطناعي وحده.
إن السباق العالمي نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مفهوم ومبرر، إلا أن التركيز المفرط على تقنية واحدة قد يؤدي إلى اختلال في مسار التحول الرقمي. فالدول التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي وحده، وتهمل البنية التحتية الرقمية، والأمن السيبراني، وحوكمة البيانات، والتعليم، وبناء القدرات المؤسسية، ورأس المال البشري، قد تجد نفسها عاجزة عن تحقيق الفوائد الكاملة للتحول الرقمي. إن التنمية الرقمية المستدامة تتطلب استثمارات متوازنة في جميع مكونات المنظومة الرقمية، وليس في عنصر واحد منها.
ولا شك أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم الإنجازات التقنية في عصرنا، وأن إسهاماته ستتوسع بصورة مستمرة، إلا أنه لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه الوجهة النهائية للتقدم التكنولوجي، ولا باعتباره الحل الشامل لكل مشكلات البشرية.
إنه أداة قوية للغاية، لكنه يظل أداة ضمن منظومة أوسع. فالمستقبل لن يكون للذكاء الاصطناعي وحده، بل للذكاء الرقمي المتكامل، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي جنباً إلى جنب مع بقية التقنيات، وفي إطار من الحوكمة الرشيدة، والمؤسسات الفاعلة، والأخلاقيات، والخبرة الإنسانية. وعندها فقط يمكن للتحول الرقمي أن يحقق غايته الحقيقية في بناء مجتمعات أكثر ذكاءً واستدامةً ومرونةً وإنسانيةً. فالذكاء الاصطناعي ليس الوجهة، بل هو إحدى الآلات المهمة في أوركسترا رقمية متكاملة، لا يكتمل لحنها إلا عندما تعمل جميع مكوناتها بانسجام.