د. سالم بن محمد آل جفشر
في مقالي السابق المنشور في صحيفة الجزيرة بعنوان الجامعات النائمة على كنوزها يوم الاثنين 06 يوليو 2026م الموافق 21 محرم 1448هـ في العدد 19307 أشرت إلى أن بعض الجامعات السعودية تملك أصولا ضخمة لكنها لا تستثمرها كما يجب، واليوم يأتي السؤال الأهم من يوقظ هذه الكنوز ومن يحولها من إمكانات صامتة إلى أثر اقتصادي ومعرفي وتنموي ينسجم مع طموحات رؤية المملكة 2030.
لقد نقل سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء عراب الرؤية 2030 المملكة إلى عقلية جديدة لا تقبل الهدر ولا ترضى بالإمكانات غير المستثمرة ولا ترى في المؤسسات الحكومية كيانات ساكنة بل منصات إنتاج وأثر وتنافسية ولهذا فإن الجامعة السعودية اليوم أمام اختبار حقيقي فإما أن تكون شريكاً فاعلاً في مشروع التحول الوطني وإما أن تبقى مؤسسة تعليمية تقليدية تملك الكثير وتستثمر القليل.
لم تعد الجامعة مطالبة بأن تشرح ما تملك فقط بل أن تثبت ماذا صنعت بما تملك فلم يعد كافيا أن نقول لدينا باحثون بل ماذا أنتج هؤلاء الباحثون للمجتمع والاقتصاد ولم يعد كافيا أن نقول لدينا معامل، بل ماذا خرج من هذه المعامل من منتجات وحلول وبراءات، ولم يعد كافيا أن نقول لدينا طلاب موهوبون بل كيف تحولت مواهبهم إلى شركات ناشئة وفرص عمل ومشروعات وطنية.
رؤية 2030 تريد جامعة حاضرة في الاقتصاد المزدهر وجامعة تسهم في تنمية القدرات البشرية وتربط التعليم بسوق العمل وتحول البحث إلى قيمة وتبني شراكات لا تنتهي بصورة توقيع بل تبدأ بعقد منتج ومركز بحثي وبرنامج مهني وخدمة استشارية وفرصة توظيف وهذا هو الفرق بين جامعة تتحرك بروح الرؤية وجامعة تكتفي بلغة التقارير.
المشكلة أن بعض الجامعات لا تزال تتعامل مع الاستثمار كدخل جانبي مثل تأجير موقع أو تشغيل بوفيهات أو دورة قصيرة بينما الاستثمار الحقيقي هو إدارة رأس المال المعرفي وتسويق الخبرات الأكاديمية وتحويل البيانات والمعامل والأبحاث والطلاب والموقع الجغرافي إلى محفظة فرص مستدامة فالاستثمار الجامعي ليس نشاطا هامشيا في الإدارة المالية بل مشروع استراتيجي يجب أن يدخل في صميم هوية الجامعة ورسالتها وخططها ومؤشرات قياسها.
ومن هنا تبرز الفكرة الأهم فلا يمكن أن ينجح ملف الاستثمار في الجامعات إذا بقي ملفا عاما بلا أهداف واضحة أو مسؤولية موزعة بلا مساءلة أو مبادرات متفرقة لا يعرف أحد ما حققته فعليا، فالمطلوب أن يعطى كل مسؤول عن هذا الملف في الجامعة أهدافا محددة ومؤشرات أداء ملزمة لأن الاستثمار لا يدار بالنيات الحسنة بل بالأرقام والنتائج والعقود والعوائد والأثر.
وأكرر ندائي لمعالي وزير التعليم رئيس مجلس شؤون الجامعات بأن يحظى ملف الاستثمار الجامعي بتوجيه مباشر لجميع الجامعات حتى لا يبقى اعتمادها الأول والأخير على ميزانية الدولة فالمطلوب أن تتحول الجامعات من مستهلك للميزانية إلى شريك في تخفيف العبء المالي وتنويع الموارد، وأن يكون لكل جامعة هدفا مرحليا واضحا يتمثل في تحقيق إيرادات ذاتية تعادل 25 في المئة من مصروفات بنود ميزانيتها العامة خلال خمس سنوات ثم ترفع هذه النسبة تدريجياً وفق جاهزية كل جامعة وقدرتها الاستثمارية حتى تصل إلى 50 في المئة بما يعزز الاستدامة المالية ويربط أداء الجامعة بلغة الأرقام لا بلغة الأمنيات.
وإذا كان تحقيق هذا التحول يحتاج إلى ضبط أعلى ومسار أكثر مركزية فإن الخيار الأكثر فاعلية هو ربط الاستثمارات الجامعية لجميع الجامعات بالوزارة من خلال إطار وطني موحد وتعيين شخص مؤهل لهذا الملف في كل جامعة يكون مرتبطا إداريا ومرجعيا بالوزارة مباشرة حتى لا يبقى الاستثمار رهينة الاجتهادات المحلية أو المزاج الإداري أو ضعف الخبرة وحتى تتحول الجامعات إلى منظومة وطنية متكاملة في إدارة مواردها واستثمار أصولها وتعظيم أثرها.
هذه ليست أسئلة ترف إداري بل هي جوهر التحول لأن الجامعة التي لا تقيس الاستثمار لا تستطيع إدارته والجامعة التي لا تربط المسؤول بالمؤشر ستبقى تدور في دائرة الاجتماعات والعروض والعبارات الواسعة أما الجامعة التي تضع أهدافا واضحة وتتابع تنفيذها شهريا وربع سنويا فستعرف أين تقف وستعرف من يعمل ومن يكرر الكلام ومن يصنع أثرا ومن يستهلك الوقت.
كما أن كل كلية يجب أن تكون جزءا من هذه المعادلة فالاستثمار لا ينبغي أن يكون حكرا على إدارة مركزية بعيدة عن الكليات فكلية الطب يمكن أن تنتج برامج صحية واستشارات وأبحاثا تطبيقية وكلية الهندسة يمكن أن تقدم حلولا فنية ومشروعات ابتكارية وكلية الحاسب يمكن أن تبني منتجات رقمية وخدمات ذكاء اصطناعي وأقسام الإعلام والاتصال يمكن أن تقدم دراسات قياس الرأي وتحليل الصورة الذهنية وإدارة الحملات والافنتات وبناء الهويات الاتصالية وغيرها وكلية العلوم يمكن أن تقدم حلولا بيئية وصناعية وكلية الإدارة يمكن أن تصمم برامج تنفيذية واستشارات للقطاعين العام والخاص.
والإعلام المؤسسي داخل الجامعة شريك رئيسي في إيقاظ هذه الكنوز فالمستثمر لا يذهب إلى جامعة لا يعرف قصتها والقطاع الخاص لا يبني شراكة مع مؤسسة لا تعرض فرصها بوضوح والمجتمع لا يثق بجامعة لا تشرح أثرها بلغة مفهومة لذلك فإن تسويق الاستثمار الجامعي يحتاج إلى خطاب إعلامي احترافي لا يكتفي بنشر الأخبار بل يصنع صورة ذهنية للجامعة بوصفها جهة خبيرة ومنتجة وقادرة على تقديم الحلول.
إن الجامعات التي ستقود المرحلة القادمة ليست الأكثر مباني ولا الأكثر لجانا ولا الأكثر خططا، بل الأكثر قدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة والموارد إلى عوائد والشراكات إلى أثر والأفكار إلى منتجات والطلاب إلى طاقات منتجة، وهذه هي الجامعة التي تنسجم مع روح رؤية 2030 جامعة لا تنام على كنوزها ولا تكتفي بوصف ثروتها، بل توقظها وتديرها وتستثمرها وتقدم من خلالها قيمة وطنية مستدامة.
** **
- أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان