صبحي شبانة
في خضم المتغيرات الاستراتيجية التي يشهدها الشرق الأوسط، برزت دول الخليج العربي بوصفها طرفًا ينظر إلى الأمن من زاوية مختلفة، فالأمن في المفهوم الخليجي لم يعد يقتصر على حماية الحدود وردع التهديدات، وإنما أصبح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الدولة على تحقيق التنمية وتعزيز مكانتها الاقتصادية، وإنما أصبح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الدولة على تحقيق التنمية، وتنويع الاقتصاد، وتطوير رأس المال البشري، وتعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي، ومن هنا، لم يكن المسار الذي انتهجته السياسة الخليجية خلال السنوات الأخيرة مجرد تطويرٍ في الوسائل الدبلوماسية، بل كان تعبيرًا عن رؤية استراتيجية تجعل الاستقرار شرطًا للتنمية، وتجعل التنمية الضمانة الحقيقية لاستدامة الاستقرار.
وتبرز المملكة العربية السعودية بوصفها المحرك الأبرز في المنطقة، من خلال رؤية المملكة 2030 التي لم تكن مجرد برنامج اقتصادي فحسب، بل كانت مشروعًا استراتيجيًا لإعادة صياغة مكانة المملكة في الاقتصاد العالمي، وترسيخ حضورها بوصفها قوةً تنمويةً مؤثرة في محيطها الإقليمي وعلى الساحة الدولية، فالرؤية لم تكتف بتنويع مصادر الدخل، بل أعادت تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وأكدت أن الاستثمار والابتكار وجودة الحياة أصبحت عناصر لا تقل أهمية عن الاعتبارات الأمنية التقليدية في بناء قوة الدولة، هذا التوجه فرض معادلة جديدة في الإقليم؛ فالدول التي تبني مدنًا ذكية، وتستقطب الاستثمارات، وتتنافس في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، لا يمكن أن تجعل الأزمات الدائمة خيارًا استراتيجيًا، لأن رأس المال يبحث دائمًا عن الاستقرار، والأسواق تنمو في البيئات التي يسودها اليقين، لا في المناطق التي تتكرر فيها الأزمات.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم المقاربة الخليجية تجاه إيران في السنوات الأخيرة، على أنها تعبير عن قناعة بأن المنطقة لم تعد تحتمل دورة جديدة من الصراعات، من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إدارة المصالح، وحماية الممرات البحرية، وتغليب لغة الاقتصاد على منطق التصعيد، وهذه المبادئ لم تعد شعارات دبلوماسية، بل أصبحت متطلبات أساسية لاقتصاد عالمي يقوم على الترابط بين الأسواق، وسلاسل الإمداد، وحركة الاستثمار، وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الخليجية واضحة، فالمنطقة تمتلك من الإمكانات الاقتصادية، والموارد البشرية، والموقع الجغرافي ما يؤهلها لأن تكون أحد أهم مراكز النمو في العالم خلال العقود القليلة المقبلة، غير أن تحقيق هذا الطموح يظل رهينًا بقدرة دولها على بناء شراكات تقوم على المصالح المشتركة، لا على موازين الاستنزاف، ومن هنا يبرز السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة: هل تلتقط إيران هذه اللحظة الإقليمية بوصفها فرصة لإعادة التموضع ضمن منظومة تقوم على التنمية والتعاون، أم أنها ستبقى أسيرة مقاربات أثبتت التجارب أنها لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار ولا على تحقيق الازدهار؟
لم تعد المسألة اليوم تتعلق بإمكانية فتح قنوات للحوار بين دول الخليج وإيران، فهذه القنوات أصبحت قائمة بدرجات متفاوتة، وإنما بات السؤال الحقيقي يدور حول طبيعة المشروع الذي يمكن أن يجمع الطرفين خلال العقد المقبل، فالمنطقة لا تحتاج إلى تهدئة مؤقتة تنتهي مع أول أزمة، وإنما إلى تأسيس معادلة إقليمية جديدة تجعل المصالح الاقتصادية عنصرًا ضابطًا للعلاقات السياسية، بحيث تصبح كلفة التصعيد أعلى من مكاسب التهدئة، وتغدو التنمية مصلحة مشتركة يصعب التفريط بها، لقد أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصادات المتشابكة تقل فيها احتمالات الصدام المباشر، لأن الاستثمار بطبيعته يبحث عن الاستقرار، والتجارة تزدهر في البيئات الآمنة، ورأس المال يغادر سريعًا كلما ارتفعت مؤشرات المخاطر، ولذا فإن بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية بين دول المنطقة لا يمثل مجرد خيار تنموي، بل يشكل أحد أهم أدوات الأمن الإقليمي في القرن الحادي والعشرين، ومن هذه الزاوية تبدو دول الخليج وقد تجاوزت مرحلة الدفاع عن الاستقرار إلى مرحلة الاستثمار فيه، فالمشروعات العملاقة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية، والتوسع في البنية التحتية، والتنافس على استقطاب الصناعات المتقدمة، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، كلها مؤشرات على أن المنطقة دخلت سباقًا عالميًا جديدًا عنوانه الاقتصاد لا الجغرافيا السياسية، وهذا التوجه لا يقتصر على المملكة وحدها، بل يشمل معظم دول مجلس التعاون الخليجي التي أصبحت تنظر إلى موقعها الجغرافي باعتباره نقطة ارتكاز للتجارة العالمية، لا مجرد مساحة لحسابات الأمن التقليدي، فالموانئ والمناطق الاقتصادية الخاصة، والممرات البحرية، ومشروعات الربط اللوجستي، باتت تشكل ركائز استراتيجية لا تقل أهمية عن منظومات الدفاع، لأن الاقتصاد العالمي أصبح يقيس قوة الدول بقدرتها على إدارة حركة التجارة والاستثمار والمعرفة، في المقابل تمتلك إيران عناصر قوة لا يمكن إنكارها فهي دولة ذات موقع جغرافي بالغ الأهمية، وسوق كبيرة، وموارد طبيعية ضخمة، وقاعدة صناعية وعلمية متقدمة في بعض المجالات، فضلًا عن رأس مال بشري يتمتع بكفاءات علمية وتقنية، بيد أن هذه الإمكانات ظلت طوال سنوات رهينة بيئة سياسية واقتصادية معقدة، فرضت على الاقتصاد الإيراني كلفة مرتفعة، وأضعفت قدرته على الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي.
ومن هنا، فإن الاندماج الإقليمي لا ينبغي النظر إليه باعتباره تنازلًا من أي طرف، بل بوصفه استثمارًا في المستقبل. فإيران، إذا اختارت أن تجعل التنمية أولوية، يمكنها أن تستفيد من شبكة واسعة من الفرص الاقتصادية في محيطها الخليجي، سواء في مجالات التجارة والطاقة والنقل والسياحة والصناعات التحويلية، أو في مشروعات الربط الإقليمي للخريطة الاقتصادية للشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، لكن هذا المسار لا يمكن أن يتحقق بمجرد تحسين الخطاب السياسي، لأن بناء الثقة بين الدول عملية تراكمية تستند إلى الممارسة قبل التصريحات، فالأسواق لا تستجيب للوعود، وإنما للوقائع، والمستثمر لا يبني قراره على النوايا، بل على استقرار القوانين، واحترام الالتزامات، وضمان أمن الممرات البحرية، واليقين بأن التوترات لن تتحول في أي لحظة إلى عامل يهدد حركة التجارة أو سلامة الاستثمارات، ولهذا السبب فإن الحديث عن تعاون إقليمي حقيقي يقتضي الانتقال من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة إدارة المصالح، هو انتقال يحتاج إلى إرادة سياسية، وإلى رؤية اقتصادية طويلة المدى، وإلى إدراك بأن العالم يتغير بسرعة لا تسمح بإهدار مزيد من الوقت في صراعات إيرانية تستنزف الجميع ولا تحقق مكاسب دائمة، فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر، فإما أن يتحول إلى أحد أهم مراكز الاقتصاد العالمي، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية ورأسماله البشري، وإما أن يبقى أسير دوائر التنافس التقليدي والفرق بين المسارين لا تحدده القدرات، بل تحدده الخيارات.
غير أن الحديث عن تعاون إقليمي لا يكتمل من دون التوقف عند المستجدات التي يشهدها النظام الدولي نفسه، فالعالم لم يعد كما كان قبل عقدين من الزمن، إذ لم تعد موازين القوة تُبنى على التفوق العسكري وحده، وإنما على القدرة على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، والتحكم في سلاسل الإمداد، واستقطاب الاستثمارات، وامتلاك بنية تحتية قادرة على ربط الأسواق والقارات،
ولهذا، تتجه الاقتصادات الكبرى اليوم إلى إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والنقل، بينما تتنافس الدول على أن تكون مراكز إقليمية للتمويل، والابتكار، والصناعة، والخدمات اللوجستية، وفي ظل هذه المتغيرات، يصبح الاستقرار السياسي عنصرًا اقتصاديًا بقدر ما هو عنصر أمني، لأن المستثمر العالمي لم يعد يبحث عن الموارد فقط، بل يبحث أيضًا عن اليقين، واستقرار التشريعات، ووضوح الرؤية المستقبلية.
ومن هنا، تبدو المقاربة الخليجية أكثر انسجامًا مع طبيعة العالم الجديد. فالمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لم تعد تنظر إلى الأمن بوصفه غاية مستقلة، بل باعتباره البيئة التي تسمح بتحقيق التنمية، وتعزيز التنافسية، وبناء اقتصادات أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة التحولات العالمية، ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى بناء علاقات إقليمية أكثر توازنًا ليست تعبيرًا عن رغبة في تجاوز الخلافات فحسب، وإنما هي جزء من رؤية أشمل تجعل التنمية الاقتصادية ركيزة للاستقرار السياسي، أما بالنسبة لإيران، فإن اللحظة الراهنة قد تكون من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها المعاصر، فالعالم من حولها يتغير بوتيرة متسارعة، والمنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل شبكات التجارة والاستثمار، فيما تتزايد أهمية الممرات الاقتصادية، والطاقة النظيفة، والاقتصاد الرقمي، والتقنيات المتقدمة. وكل تأخير في مواكبة هذه التحولات قد يرفع كلفة الاندماج مستقبلًا، ويُفقد الاقتصاد الإيراني فرصًا يصعب تعويضها.
لكن الاندماج الحقيقي لا يتحقق بالتصريحات السياسية وحدها، ولا بإدارة الخلافات وفق منطق التهدئة المؤقتة، وإنما يحتاج إلى بناء ثقة متبادلة تُترجم في السياسات والممارسات. فاحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحماية أمن الملاحة الدولية، والالتزام بالقانون الدولي، ليست مطالب ظرفية، بل قواعد أساسية لأي نظام إقليمي مستقر وقادر على جذب الاستثمار وتحقيق النمو.
ولعل أبرز ما يميز المرحلة الراهنة أن دول المنطقة لم تعد تنتظر حلولًا تُصاغ خارج الإقليم بقدر ما أصبحت أكثر ميلًا إلى إنتاج مقارباتها الخاصة، انطلاقًا من مصالحها الوطنية والإقليمية، وهذا التحول يعكس نضجًا سياسيًا ورغبة في أن يكون مستقبل الشرق الأوسط نتاج إرادة أبنائه، لا انعكاسًا لصراعات القوى الكبرى، وفي هذا السياق تبدو الرسالة الخليجية واضحة؛ فاليد الممدودة للتعاون لا تعني التهاون في حماية الأمن، كما أن الانفتاح على الحوار لا يعني القبول باستمرار السياسات التي كانت سببًا في أزمات المنطقة خلال العقود الماضية، فالتوازن بين الانفتاح والحزم أصبح أحد أبرز ملامح السياسة الخليجية، وهو توازن يقوم على الجمع بين السعي إلى الاستقرار، والتمسك بثوابت الأمن والسيادة.
لقد أثبتت التجارب أن الأقاليم التي نجحت في تحقيق التنمية لم تفعل ذلك لأنها خلت من الخلافات، بل لأنها امتلكت القدرة على إدارتها ضمن أطر مؤسسية، ومنعت تحولها إلى عائق دائم أمام التعاون الاقتصادي. وهذا الدرس يبدو اليوم أكثر أهمية بالنسبة للشرق الأوسط، الذي يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية والموقع الجغرافي ما يؤهله ليكون أحد أكثر أقاليم العالم نموًا، إذا نجح في تحويل التنافس إلى شراكة، والتوتر إلى تعاون، إن السؤال الذي يفضرض نفسه على دول المنطقة لم يعد: كيف يمكن احتواء أزمة جديدة؟ بل كيف يمكن بناء نظام تعاوني يجعل الأزمات أقل احتمالًا وأكثر قابلية للاحتواء؟ والإجابة تبدأ من الاقتصاد، لأن المصالح المشتركة تخلق حوافز للاستقرار، والاستثمار يعزز الثقة، والتكامل الاقتصادي يجعل كلفة الصراع أعلى من كلفة التعاون.
لقد اختار الخليج أن يضع التنمية في صدارة أولوياته، وأن يجعل من الاقتصاد لغة للتقارب، ومن الشراكات الإقليمية أداة لصناعة مستقبل أكثر استقرارًا، ويبقى أمام إيران خياران لا ثالث لهما: إما أن تنخرط في هذه المعادلة الجديدة بروح الشراكة والالتزام بقواعد حسن الجوار، فتكون جزءًا من شرق أوسط يتجه نحو النمو والازدهار، وإما أن تظل أسيرة حسابات أثبتت التجربة أنها تستهلك الطاقات لديها أكثر مما تصنع النفوذ، فالقرن الحادي والعشرون لا يمنح الريادة لمن يطيل أمد الأزمات، وإنما لمن يحسن استثمار الفرص، والمنطقة اليوم لا ينقصها الموقع ولا الموارد، بل تحتاج إلى أن تجعل التنمية مشروعًا جامعًا، والاقتصاد لغة مشتركة، والاستقرار هدفًا تتقاطع عنده مصالح الجميع، وعندها فقط يمكن للشرق الأوسط أن ينتقل إلى جغرافيا تصنع مستقبلها بثقة واقتدار.