أمل حمدان الشريف
ليس غريبًا أن يبقى الحسد حاضرًا في كل زمان ومكان؛ فهو ليس ظاهرةً اجتماعيةً طارئة، ولا سلوكًا ارتبط بعصرٍ دون آخر، بل آفةٌ صاحبت الإنسان منذ بدء الخليقة. فقد كانت وسوسة إبليس أول إعلان للكبر والاعتراض والحسد، ثم تجلَّت آثارها في أول جريمة شهدتها الأرض، حين دفع الحسد أحد ابني آدم إلى قتل أخيه. ومنذ ذلك الحين، أدركت البشرية أن أخطر المعارك ليست تلك التي تدور بين البشر، بل تلك التي تشتعل في أعماق النفس إذا فقدت إيمانها ورضاها وسلامها.
واليوم، لم يتغيَّر الحسد، وإنما تبدلت وسائله. كان يُخفى في المجالس، فأصبح يُبث عبر المنصات. وكان يُهمس به في الخفاء، فأصبح يُقال علنًا تحت عناوين برَّاقة؛ مرةً باسم الصراحة، وأخرى باسم النقد، وثالثةً باسم الرأي الحر، بينما يبقى جوهره واحدًا: ضيقٌ بنعمة الآخر، وعجزٌ عن الفرح له، وعطبٌ في سلام النفس قبل أن يكون موقفًا من الآخرين.
والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الحاسد لا يعيش عقوبةً مؤجلة، بل يعيشها في كل لحظة. يرهق قلبه بمراقبة الناس، ويستنزف عمره في المقارنات، ويقيس قيمته بما يملكه الآخرون، لا بما يملكه هو من علمٍ أو خلقٍ أو إنجاز. ولذلك، فإن أول ضحايا الحسد هو صاحبه، لأنه يسلب نفسه نعمة الرضا قبل أن يتمنى زوال النعمة عن غيره.
والمؤسف أن بعض البيئات باتت تُغذِّي هذه الآفة، حين تُكثر من المقارنات، أو تحتفي بإسقاط الناجحين أكثر من احتفائها بالنجاح ذاته. فيتحول المتميز إلى هدف، والمبدع إلى موضع تشكيك، وصاحب الإنجاز إلى مشروعٍ دائم للانتقاص. وهنا لا يخسر الفرد وحده، بل يخسر المجتمع طاقاته، وتتراجع ثقافة الإبداع، ويضعف تقدير الكفاءة، ويُستبدل الإلهام بالتثبيط.
إن المجتمعات التي تنهض لا تبني مجدها بالحسد، وإنما بالاحتفاء بالمنجزين، والإيمان بأن نجاح فردٍ هو مكسبٌ للمجتمع بأسره، لا خصمٌ من رصيد أحد. فالأوطان تُبنى بالتكامل، لا بالتقليل من الآخرين، وبالتشجيع، لا بإطفاء شموع المبدعين.
ومن أنضج صور الوعي أن يفرح الإنسان بنجاح غيره كما يفرح بنجاحه، وأن يوقن أن الأرزاق بيد الله، وأن الفضل لا يُنتزع بالحسد، ولا تُغيّره الكراهية، ولا تُعطّله المؤامرات. فما كتبه الله لك سيأتيك، وما لم يكتبه لك لن تناله، ولو حسدت أهل الأرض جميعًا.
ومن الحكمة أيضًا ألا يُهدر الإنسان عمره في ملاحقة الحاسدين، ولا أن يجعلهم محور اهتمامه. فأنجح ردٍ عليهم ليس كثرة التبرير، ولا الانشغال بالخصومات، وإنما الاستمرار في العمل، والارتقاء في الأخلاق، والازدياد علمًا، والإحسان إلى الناس. فالنجاح الصامت يربك الحاسد أكثر من ألف مواجهة، والسكينة تهزم الضجيج دون أن تنطق بكلمة.
ولعل أعظم مشروعٍ ينبغي أن يبدأ به الإنسان هو إصلاح قلبه قبل إصلاح صورته، وتهذيب نفسه قبل محاسبة غيره، لأن سلامة الصدر ليست فضيلةً فردية فحسب، بل ركيزةٌ لبناء أسرة متماسكة، ومجتمعٍ متراحم، ووطنٍ يزدهر بأبنائه لا بصراعاتهم.
ويبقى الحسد امتحانًا للأخلاق قبل أن يكون امتحانًا للنفوس. فمن انتصر على حسده، انتصر على أضعف ما فيه، ومن امتلأ قلبه بالرضا والمحبة، أدرك أن الخير لا ينقص حين يذهب إلى غيره، وأن أجمل القلوب ليست أكثرها امتلاكًا، بل أكثرها صفاءً وسلامًا.
وفي الختام.. لا تجعلوا مروركم في حياة الناس ندبةً في الذاكرة، بل أثرًا من الرحمة والمودة والوفاء. ازرعوا الكلمة الطيبة، وامنحوا القلوب أمانًا، واتركوا بعدكم سيرةً عطرة لا تُنسى.
عيشوا بسلام.. واعبروا في قلوب الناس سلامًا ورحمةً ومودةً، واتركوا أثرًا كريمًا يفوح طيبُه حتى بعد الرحيل إلى الله.