د. منى الروبي
أعترف بشيء صغير.. لازلت أصفق أقفز عندما ارى لوحة تلمسني أو أسمع شعرا يذهلني أو أقرأ رواية رسم غلافها عبقري. لذلك كلما دخلت متحفًا، لا أشعر أنني أزور الماضي، بل أزور أشخاصًا تركوا لنا رسائلهم ثم غادروا. لوحة هنا، تمثال هناك، قطعة خزف، نقش على حجر.. كلها تقول بصوت واحد: «لقد كنا هنا».
قبل آلاف السنين، حين كانت حضارة «كِيميت»، ترفع أعمدتها نحو السماء، لم تكن المنحوتات لتبهر السياح الذين سيأتون بعد خمسة آلاف عام. كان يوثق حياته، وعقيدته، وأحلامه، وانتصاراته، وحتى خوفه من النسيان. لذلك ما زال تمثال واحد من الماضي قادرًا على أن يهزم الزمن كله.
وفي بلاد الرافدين، وُلدت الكتابة، لكن الفن سبقها في الحكاية. أما هنا في الخليج، فقد كانت حضارة دلمون، تترك أختامها ومدافنها وتثبت أن هذه الجزيرة الصغيرة كانت جزءا وقلبًا نابضًا للتجارة والثقافة بين الشرق والغرب، وما زالت تلال المدافن، وقلعة البحرين، تشهد أن الفن لم يكن رفاهية، بل جزء من هوية الإنسان.
وعندما نتجه غربًا قليلًا، نجد المملكة العربية السعودية تفتح صفحات أخرى من كتاب الفن، في العلا تقف حضارة الأنباط شامخة في مدائن صالح، بينما تروي نقوش جبة والشويمس، التي يعود بعضها إلى أكثر من سبعة آلاف عام، قصة الإنسان الأول وهو يرسم الصيد والحياة على الصخور قبل أن يعرف الورق بآلاف السنين. يبدو أن الإنسان، أينما وُجد، كان يرسم قبل أن يتعلم كيف يشرح.
ولهذا لا أستغرب أن تكون أولى غنائم الحروب عبر التاريخ هي الأعمال الفنية والآثار، فالذهب يمكن تعويضه، أما الذاكرة فلا يكفي أن تتجول في المتحف البريطاني في لندن، أو متحف اللوفر في باريس، أو متحف برلين الجديد، لتدرك أن جزءًا كبيرًا من جمال هذه المتاحف جاء من حضارات أخرى ، قطع خرجت من أوطانها في ظروف يعرفها المؤرخون جيدًا، وما زالت حتى اليوم موضوعًا للنقاش. لكن الفن لا يعرف الانتقام، بل يعرف البقاء.
خذوا فنسنت فان غوخ مثلًا رجل عاش فقيرًا، ولم يشهد المجد الذي صنعته ريشته. باع لوحة واحدة تقريبًا في حياته، ثم أصبحت لوحاته اليوم تُباع بمئات الملايين. كأن الزمن اعتذر له متأخرًا. وليس فان غوخ وحده. فكل فنان حقيقي يترك قطعة من روحه داخل عمله ، وربما لهذا السبب نشعر أمام لوحة صادقة أن أحدًا يهمس لنا، رغم أن صاحبها رحل منذ قرون.
الفن ليس لونًا فوق قماش، ولا تمثالًا فوق قاعدة رخامية، ولا خطا عربيا نذوب في تموجاتة إنه وثيقة تاريخية، وذاكرة وطن، ورسالة سلام، واحتجاج صامت، وفضفضة إنسان لم يجد الكلمات المناسبة. سأرجع لكلمة فضفضة كانت جزء من تدراستي الالتج بالفن كما تعلمون أصبح اليوم علمًا يُمارس في مراكز التأهيل حول العالم.
وأجمل ما في الفن أنه يعيش معنا كل يوم. في بيت شعر، وفي زخرفة باب قديم، وفي نقش خاتم، وفي فنجان قهوة صنعه خزّاف بحب، وفي أغنية تحفظها جداتنا، وحتى في ابتسامة طفل يرسم شمسًا أكبر من الورقة، لأنه ببساطة يؤمن أن الأحلام لا يجب أن تُقصّ بالمقص.
أما أنا، فما زلت أتعلم من كل متحف أدخله، ومن كل لوحة أقف أمامها، ومن كل حضارة أقرأ عنها. وربما لهذا قررت أن أبدأ معكم رحلة جديدة.
في المقالات القادمة، سنسافر معًا بين متاحف العالم، وحضاراته، ولوحاته، وتماثيله، وقصص فنانيه، وأسراره التي لا تُدرَّس في الكتب. سأكتب لكم لا كأستاذة أكاديمية فقط، ولا كفنانة تشكيلية أقامت معارض في دول عديدة، بل كرفيقة سفر تؤمن أن أجمل الرحلات هي تلك التي تبدأ بفكرة.. وتنتهي بلوحة.
يسعدني كثيرًا أن ترافقوني في هذه الرحلة.