سارة الشهري
تتوقف فجأة في منتصف الجملة، وتنظر إلى من تحدثه، وتلوّح بيدك وكأنك تلتقط كلمة هاربة، ثم تقول مبتسماً: كانت على طرف لساني!
يا لها من عبارة تختصر موقفاً يمر به الجميع. كلمة نعرفها، ونستخدمها منذ سنوات، لكنها في اللحظة التي نحتاجها تختفي، وكأنها قررت أن تمارس علينا لعبة الاختباء. والمفارقة أنها كثيراً ما تعود بعد انتهاء الحديث بدقائق، فنقول في حسرة: تذكرتها، لكنها جاءت متأخرة!
هذه ليست مصادفة، ولا علامة على أن الذاكرة بدأت تتآكل كما يظن بعضهم، بل هي ظاهرة معروفة لدى علماء النفس والأعصاب تُسمى (ظاهرة طرف اللسان). وفيها تكون الكلمة موجودة في الذاكرة، لكن الطريق إليها ينغلق مؤقتاً، فنشعر بأنها قريبة جداً، دون أن نستطيع الإمساك بها.
أحياناً يكون السبب بسيطا، إرهاقا بعد يوم طويل، أو قلة نوم، أو ضغطا نفسيا، أو انشغال العقل بعشرات الأفكار في وقت واحد. فالذاكرة لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى ذهن حاضر، وتركيز غير مشتت.
لكننا اليوم نعيش زمناً مختلفاً، زمنا لا يمنح عقولنا فرصة لالتقاط أنفاسها. الهاتف لا يصمت، والإشعارات تتسابق، ومقاطع الفيديو لا يتجاوز الواحد منها ثوانٍ معدودة، ثم يأتي الذي يليه، ثم الذي بعده.
أصبحنا ننتقل من فكرة إلى أخرى، ومن شاشة إلى أخرى، بسرعة لم يعرفها الإنسان من قبل، ومع هذا الإيقاع المتسارع، بدأ التركيز العميق يصبح عملة نادرة.
ولذلك، لا يبدو غريباً أن نشعر أحياناً بأن الكلمات أصبحت أقل طواعية، فالدماغ الذي اعتاد القفز المستمر بين المثيرات، يجد صعوبة أكبر في استدعاء معلومة تحتاج إلى شيء من الهدوء والتركيز. ليست المشكلة أن هواتفنا سرقت ذاكرتنا، بل إنها سرقت جزءاً من انتباهنا، والانتباه هو البوابة الأولى للذاكرة. ولعل المفارقة أن كثيراً منا يحفظ أسماء مشاهير مواقع التواصل، ويتذكر مقطعاً شاهده قبل أشهر، لكنه يتعثر في تذكر اسم شخص قابله الأسبوع الماضي، ليس لأن الذاكرة خانته، بل لأن ما يجذب الانتباه يُخزن بسهولة، وما يمر مروراً سريعاً يغادر بسرعة.
فإذا وجدت نفسك في ذلك الموقف المحرج، فلا تُعلن الحرب على الكلمة المفقودة، لا تضغط على ذهنك بعنف، فكلما ازداد التوتر، ازداد هروبها. اتركها قليلاً، وانتقل إلى فكرة أخرى، أو استخدم كلمة قريبة من معناها، وستفاجأ بأنها تعود من تلقاء نفسها، وكأنها كانت تنتظر أن تكف عن مطاردتها.
أما العلاج الحقيقي، فلا يكمن في تمارين سحرية، بل في أسلوب حياة أكثر هدوءاً. اقرأ كل يوم، ولو صفحات قليلة. نم ساعات كافية. امنح عقلك فترات يخلو فيها من الهاتف والإشعارات. مارس الحوار المباشر، واستخدم مفرداتك في الحديث والكتابة، فاللغة مثل العضلات، تقوى كلما استخدمناها.
ويبقى من المهم أن نفرق بين النسيان العابر الذي يمر بالجميع، وبين النسيان الذي يتكرر بصورة غير معتادة، أو يصاحبه اضطراب في تذكر الأحداث أو الأشخاص أو فهم الكلام، فذلك يستحق استشارة الطبيب للاطمئنان.
ختاماً، لعل المشكلة ليست أن الكلمات أصبحت تنسانا، بل إننا أصبحنا نعيش بسرعة أكبر من قدرة عقولنا على التأمل والاسترجاع. لقد امتلأت أيامنا بالأصوات والصور والإشعارات، حتى صار الصمت نفسه رفاهية. وربما لهذا السبب، لم تعد بعض الكلمات تقف على طرف اللسان فقط، بل تنتظر أن نعطي عقولنا فرصة للحاق بها.