عبدالرحمن الحضري
يقول مهندس الكلمة الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن -رحمه الله-:
حنا الوفا من طبعنا
وعاداتنا طيب وكرم
حكامنا من شعبنا
هذا أخو وهذا ابن عم
وفي تجسيد حي ومستمر لهذه الكلمات الخالدة، يستقبل أصحاب السمو أمراء المناطق أسبوعيًا ـ وأحيانًا أكثر من مرة في الأسبوع ـ المواطنين والمسؤولين، في تفاعلٍ عفوي وأصيل يربط بين المواطن ورأس الهرم الإداري في المناطق. وهي قيم عريقة وممتدة، استلهمها قادة هذه البلاد منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - وصولاً إلى العهد الزاهر لمولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين سيدي الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله.
تتميز مجالس الأمراء المخصصة للمواطنين بخلوها من جداول الأعمال الرسمية، فالأمير يفتح مجلسه ليسمع من الناس مباشرة، بحضور مديري الدوائر الحكومية كافة، من مدنيين وعسكريين، بهدف الارتقاء بالخدمات وتسهيل قضاء الحوائج.
ودائمًا ما يفتتح الأمير الجلسة بالتأكيد على أن مكتبه وقلبه مفتوحان لصاحب الحاجة. وفي هذه المجالس العريقة، يدور الحديث عما يهم المجتمع المحلي، فينساب النقاش ليشمل الشأن العام، ومناقشة قضايا أهالي المنطقة وتطلعاتهم. كما يتطرق الحديث للمستجدات اليومية؛ كحركة الأسواق، وتوفر السلع، والأسعار، والأنشطة المجتمعية، وحتى أحاديث الأجواء وبشائر الأمطار.
عندما أتحدث عن هذا التلاحم، فإنني لا أنطلق من رصدٍ عابر، بل من واقع معايشة وثيقة ورثتها، فقد شرُف والدي -رحمه الله- بالعمل رئيسًا لحرس قصر إمارة منطقة الحدود الشمالية لثلاثين سنة، وكان يصطحبنا أنا وإخوتي منذ الصغر للسلام على الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد -رحمه الله- في المناسبات، أو عند عودته من السفر.
ومن بين تفاصيل تلك المجالس التي حُفرت في الذاكرة.. أتذكر جلسة شتوية مسائية عفوية، اختصرت فيها الكلمات البسيطة كل المسافات بين الأمير ومواطنيه، حين تحدث أحد كبار السن ببساطة قائلاً:
بدنة (وادي بدنة) سالت يا طويل العمر.
فسأله الأمير باهتمام: وين وصلت؟
فأجاب الرجل: بأطراف عرعر من غرب
فتبسم الأمير وقال: الله يبشرك بالخير.
هذه العفوية والروح الإنسانية هي الوقود الحقيقي لحيوية هذه المجالس واستمراريتها.
لقد عاصرت في منطقة الحدود الشمالية ثلاثة أمراء تعاقبوا على خدمتها: الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد - رحمه الله -، ثم الأمير مشعل بن عبدالله بن مساعد، وصولاً إلى سيدي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز - حفظه الله -. واليوم، وأنا أحضر مجلس الأمير فيصل بن خالد، أجد ذات الروح الأبوية والاهتمام الإنساني مستمرًا دون تغيير، بل في تطوير مستمر شمل حتى آليات التواصل؛ فقد سمعت غير مرة من مسؤولي الإمارة ومن سمو الأمير شخصيًا أن من تحول ظروفه دون الوصول للإمارة، فإن كل السبل متاحة أمامه باستخدام التقنية الحديثة عبر سياسة «الباب الرقمي المفتوح».
وفي آخر زيارة لي لمجلس الأمير فيصل بن خالد بن سلطان، وعندما صافحته، تمسك بيدي بحرارة يملؤها الدفء والتقدير وسألني باهتمام: وش جديدكم؟ فأجبته بامتنان: كل خير يا طويل العمر.. مطلعًا إياه على مستجدات عملي بإيجاز واعتزاز.
إن تعاقب الأمراء على مناطق مملكتنا الغالية، مع استمرارية هذه الثوابت وفي طليعتها سياسة الباب المفتوح، لهو خير دليل على أن هذه العادات أصيلة راسخة نشأ عليها أمراؤنا الكرام، فهي ليست ثقافة طارئة توجد في مكان وتغيب في آخر، بل هو نهج حكم ممتد، وفلسفة قيادة تتوارثها الأجيال.
وعلى مر السنين، يظل للمواطنين في مجالس أمرائهم الحظوة والتقدير اللذان يستحقونهما. ولا يقتصر هذا التلاحم البديع على المجلس الرسمي فحسب، بل يمتد إلى بيوت المواطنين أنفسهم؛ حيث يشاركونهم أفراحهم، ويقفون معهم في أتراحهم، في صورة جلية تجسد أسمى معاني الوفاء، وتؤكد دائمًا.. أننا جسد واحد في وطن لا يعرف المسافات بين القيادة والشعب.
يختم مهندس الكلمة بدر بن عبدالمحسن رائعته الوطنية (الله أحد) واصفًا هذا الوطن العظيم وأهله فيقول:
لي ديرةٍ عالي السحاب
يسكن في شم جبالها
أطهر ثرى، وأغلى تراب
تفخر بفعل رجالها