إبراهيم بن يوسف المالك
في ديسمبر 2022 ألغت شركة Southwest Airlines الأمريكية أكثر من 16 ألف رحلة خلال عاصفة شتوية ضربت الولايات المتحدة، وكان التفسير الأولي للأزمة يبدو بسيطاً ومباشراً: سوء الأحوال الجوية.
لكن العاصفة نفسها أثرت في شركات الطيران الأخرى التي كانت تعمل في البيئة ذاتها وتواجه الظروف المناخية نفسها. وهنا بدأ السؤال الحقيقي: لماذا استطاعت شركات الاستمرار في العمل بدرجات متفاوتة من الاضطراب، بينما تعرضت شركة واحدة تقريباً لانهيار تشغيلي واسع؟
الجواب لم يكن في الطقس، بل في قدرة المنظمة على الاستجابة للاضطراب عندما تعرضت الأنظمة التشغيلية وآليات اتخاذ القرار لضغط استثنائي. فالتقنية كانت موجودة، والأنظمة كانت تعمل، والاستثمارات الرقمية كانت قائمة، لكن نموذج التشغيل نفسه لم يكن قادراً على التعامل مع حجم التعقيد الذي فرضته الأزمة.
هذه الحالة ليست استثناءً، ولا تقتصر على قطاع الطيران.
فعندما دخلت شركة Target السوق الكندية عام 2013 استثمرت الشركة بصورة كبيرة في أنظمة إدارة المخزون وسلاسل الإمداد ومراكز التوزيع والبنية التشغيلية الحديثة، وكان المتوقع أن تنجح الشركة، خصوصاً بالنظر إلى حجمها وخبرتها الطويلة في السوق الأمريكية.
لكن النتيجة كانت مختلفة.
فقد امتلأت المستودعات بالمنتجات في الوقت الذي بقيت فيه أرفف المتاجر فارغة، وكانت الأنظمة تنتج البيانات، لكن البيانات نفسها لم تكن دقيقة بما يكفي، كما عانت المنظمة من ضعف في التنفيذ والتنسيق والاستجابة التشغيلية، لتنتهي التجربة بخروج الشركة بالكامل من السوق الكندية بعد أقل من عامين.
قطاعان مختلفان، وظروف مختلفة، لكن الدرس يكاد يكون واحداً.
فخلال السنوات الأخيرة استثمرت المؤسسات حول العالم مليارات الدولارات في التحول الرقمي والأتمتة والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد الرقمية وأنظمة التحليل المتقدمة، وأصبح الوصول إلى التكنولوجيا أكثر سهولة من أي وقت مضى، كما أصبح بإمكان معظم المؤسسات شراء الأنظمة ذاتها والمنصات ذاتها والأدوات ذاتها.
لكن ما يصعب شراؤه أو تقليده ليس التكنولوجيا، بل جودة الحوكمة.
فالأنظمة يمكن شراؤها، والمنصات يمكن تركيبها، والتقنيات يمكن استيرادها، لكن وضوح المسؤوليات وسرعة اتخاذ القرار وجودة البيانات والانضباط التنفيذي والقدرة على الاستجابة للاضطرابات، كلها عوامل لا توفرها التكنولوجيا وحدها.
وهنا تظهر المفارقة.
فكثير من المؤسسات تنظر إلى التحول الرقمي بوصفه مشروعاً تقنياً، بينما هو في حقيقته مشروع حوكمة وإدارة وقيادة، ذلك أن الأنظمة الرقمية لا تغير الأدوات فقط، بل تغير طبيعة المخاطر وآليات اتخاذ القرار وتدفقات المعلومات ومسؤوليات القيادات التنفيذية.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مجالس الإدارات اليوم لم يعد: هل نستثمر في التقنية؟
بل أصبح السؤال الأهم: هل نفهم الآثار التشغيلية والتنظيمية والإستراتيجية المترتبة على الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية؟
فالقرارات المتعلقة بالتقنية أصبحت، بصورة متزايدة، قرارات حوكمة، وهي تؤثر في إدارة المخاطر والمرونة التشغيلية والمساءلة وجودة القرار التنفيذي وقدرة المؤسسة على العمل في ظروف عدم اليقين.
ولا يبدو هذا الأمر مقتصراً على قطاع بعينه، فالقطاع المالي والخدمات اللوجستية والطاقة والرعاية الصحية والتصنيع وحتى القطاع الحكومي، جميعها تشهد انتقالاً متسارعاً نحو الاعتماد على الأنظمة الذكية والأدوات الرقمية.
لكن كلما زادت سرعة التكنولوجيا، أصبحت الحاجة إلى الحوكمة أكثر إلحاحاً.
فالتقنية قد تزيد من سرعة العمليات وتوفر كميات هائلة من البيانات وتمنح الإدارة رؤية أفضل للأداء، لكنها لا تستطيع تعويض ضعف نماذج التشغيل أو غياب المساءلة أو تأخر القرارات أو غموض الصلاحيات.
كما أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع أن يحل محل الحكم التنفيذي.
فالقرارات المعقدة التي تتخذ تحت الضغط وفي ظروف عدم اليقين وفي البيئات المتغيرة، ستظل مرتبطة بقدرة القيادات على التقدير والموازنة وتحمل المسؤولية.
ولعل التحدي الحقيقي الذي ستواجهه المؤسسات خلال السنوات المقبلة لن يكون في الحصول على التكنولوجيا، لأن التكنولوجيا ستصبح متاحة للجميع بدرجات متفاوتة، بل في القدرة على إدارة آثارها ودمجها داخل نماذج تشغيل فعالة وأطر حوكمة واضحة.
فالمنظمات لا تفشل عادة لأن التكنولوجيا تتحرك ببطء، بل لأنها تفشل في جعل الحوكمة والقيادة والحكم التنفيذي تواكب سرعة هذا التحول.
وفي عالم تتسارع فيه التقنيات بصورة غير مسبوقة، قد لا تكون الميزة التنافسية المقبلة من نصيب المؤسسات التي تتبنى التكنولوجيا أولاً، بل تلك التي تحسن حوكمتها عندما تصبح الظروف أكثر تعقيداً.