أحمد الأسمري
في يوم الأحد، الثلاثين من سبتمبر 1945، أقلعت طائرة «داكوتا» من عفيف، وعلى متنها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، متجهة إلى الحوية بالطائف.
كانت تلك أول رحلة جوية للمؤسس. الرجل العملاق الذي قطع جزيرة العرب على ظهور الخيل والإبل، وخاض دروبها الوعرة عرضاً وطولاً في سنوات التوحيد، نظر هذه المرة إلى الأرض التي أفنى عمره لأجلها من بين السحاب.
قبل أشهر، كان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت قد أهدى الملك عبد العزيز طائرة من طراز DC-3، بعد لقائهما التاريخي في البحيرات المرة بمصر. وصلت الطائرة إلى المملكة، ثم تبعتها طائرتان أخريان أمر الموحد بشرائهما، وبدأت من تلك النواة قصة الطيران المدني السعودي، وقصة «السعودية» التي حملت اسم البلاد إلى مطارات العالم.
لكن أهمية «الداكوتا» لم تأت من كونها طائرة جديدة وتقنية حديثة دخلت المملكة، بل لأنها شكلت جواباً لمعضلة الربط بين أنحاء الوطن مترامي الأطراف.
هذه دولة بمساحة قارة، تفصل بين مدنها صحارى ووديان وجبال ومسافات شاسعة، فالرحلة من الرياض إلى جدة على سبيل المثال ليست انتقالاً بين مدينتين متجاورتين، والطريق إلى الدمام أو المدينة المنورة أو القصيم أو أبها وغيرها يحتاج زمناً وجهداً.
وبعد أن وحّد الملك عبدالعزيز البلاد، برز متطلب مهم: كيف تقترب أجزاؤها من بعضها؟
جاءت الطائرة لتختصر الأمر مثلما اختصرت المسافة.
بدأت الرحلات بين الرياض وجدة والظهران، ثم اتسعت الشبكة، وعبرت الطائرات السعودية الحدود، وخلال سنوات قليلة لم يعد الطيران مشهداً غريباً في سماء البلاد، بل جزءاً من حركة دولة تنمو وتربط مدنها وتستقبل الحجاج والمعتمرين وتفتح أبوابها على العالم، ثم تصبح سماؤها، في أوقات الاضطراب، طريقاً آمناً لطائرات تضيق بها مسارات المنطقة.
كبرت «السعودية» مع نهضة المملكة. تعاقبت الطائرات والمطارات، وازدادت الوجهات، وأصبحت صورة الطائرة التي تحمل السيفين والنخلة مألوفة في مطارات الشرق والغرب.
وبعد نحو ثمانية عقود من رحلة عفيف - الحوية، دخل الطيران السعودي فصلاً مختلفاً.
في مارس 2023، أعلن سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، عن تأسيس «طيران الرياض»، ناقلاً وطنياً جديداً يتخذ العاصمة مركزاً لعملياته، ويستهدف الوصول إلى أكثر من مائة وجهة عالمية بحلول 2030.
وهنا تبين الإنجاز في مدى النقلة: في زمن «الداكوتا»، كان التحدي أن نصل بين مدن الدولة الواسعة، واليوم، تسعى السعودية إلى أن تجعل العالم بأسره يتصل عبرها.
موقع المملكة في قلب المعمورة بين القارات الثلاث لم يتغير، لكن طريقة النظر إليه تغيرت، والجغرافيا التي حملت مشقة التنقل قديماً أضحت فرصة استثمارية عالمية للنقل والسياحة والخدمات اللوجستية.
ودخول «طيران الرياض» سيعزز تاريخ «السعودية» لا العكس، في خضم مرحلة تتسع فيها صناعة الطيران الوطنية لأكثر من ناقل وأكثر من نموذج. تواصل «السعودية» دورها التاريخي، وتدخل «طيران الرياض» بمهام صعود نوعي ومستهدفات ضخمة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أخذ الاسم الجديد يتحول من شعار وهوية وطائرات تستعرض ألوانها إلى رحلات وتذاكر ووجهات: لندن، جدة، دبي، القاهرة، ومومباي، محطات في مسيرة لم تبح بالكثير.
وبين «داكوتا» الملك عبد العزيز وطائرات «دريملاينر» الحديثة، مسافة تقنية يصعب تصورها، لكن المقصد الوطني من الطيران ظل معنياً بإطلاق أجنحة تليق بمساحة المملكة وطموحاتها.
ثمانون عاماً تقريباً، بدأت بطائرة واحدة، واليوم، رحلة الإصرار ما زالت تحلق عالياً ولم تصل بعد إلى أبعد مداها.