عبدالكريم بن دهام الدهام
ثمة أشياء في هذا العالم لا تموت، تظل عالقة في تفاصيل الأوراق، وتتنفس بين السطور، وتنبض في حبر كُتب على عجل ليبقى أبد الدهر.
هكذا هي الصحف والمجلات السعودية القديمة؛ لم تكن يوماً مجرد حزم من الورق الأصفر يطويها النسيان، بل كانت وما زالت الوعاء الدافئ الذي حُفظت فيه أنفاس أجدادنا، وصيحات الفرح بولادة منجزاتنا، ودموع الكفاح في زمن البدايات الصعبة. ومن وسط هذا العبق، تبرز دارة الملك عبدالعزيز كحارسٍ أمين على تلك العاطفة الوطنية، لتقدم للعالم مجموعتها الوثائقية الباذخة: « التاريخ السعودي في الصحافة المحلية».
عندما تتصفح تلك المواد التي جمعتها الدارة، لا تقرأ مجرد أخبار جافة، بل تستمع إلى أصوات البشر الذين عاشوا هنا قبل عقود، تسمع صوت الأب الذي يقرأ لقرية كاملة خبر افتتاح أول مدرسة في المنطقة، تلمس لهفة التاجر وهو يترقب أول شحنة تجارية عبر الميناء القديم، تشعر بفخر المواطن وهو يرى اسم وطنه يرتفع في المحافل الدولية لأول مرة.
إنها حكايات الحب، والانتماء، والأمل التي صاغها الرواد الأوائل من أدباء وصحفيين، وسكبوا فيها قطعاً من أرواحهم، لتأتي الدارة اليوم وتنفض عنها غبار السنين، وتعيد للذاكرة توهجها.
إن العمل الذي قامت به دارة الملك عبدالعزيز في تصنيف وتوثيق آلاف المواد الصحفية وإتاحتها عبر مركز خدمات المستفيدين، ليس مجرد جهد أكاديمي أو تنظيمي بارد، بل هو أعلى درجات الوفاء للوطن وإنسانه.
لقد أدركت الدارة أن خلف كل قصاصة ورق قصة إنسان بنى، وفكر، وأبدع، وأن ضياع هذه القصاصات هو ضياع لجزء من هويتنا العاطفية.
لذلك، تحولت تلك الغرف والأروقة في مركز الخدمات إلى ملاذ آمن يلتقي فيه الأحفاد بكلمات الأجداد، ليعيدوا اكتشاف جذورهم، ويستلهموا من ماضيهم قوةً يصنعون بها المستقبل.
بالنسبة للباحث والمهتم، لا تعد زيارة هذا الأرشيف رحلة لجمع المعلومات فحسب، بل هي رحلة وجدانية تأخذ لُبّ صاحبها. أن تجلس وتطالع مقالاً كُتب قبل سبعين عاماً، وتجده مصنفاً ومحفوظاً بعناية فائقة، يجعلك تشعر بامتنان عميق لكل يد ساهمت في حماية هذا الإرث. هنا يلتحم التاريخ بالوجدان، ويصبح الورق العتيق شاهداً حياً على أن هذا الوطن لم ينهض صدفة، بل بُني بقلوب صادقة، سهرت وكتبت ووثقت كل خطوة في طريق المجد.
ستبقى مجموعة «التاريخ السعودي في الصحافة المحلية « في دارة الملك عبدالعزيز أشبه بألبوم صور عائلي كبير ومقدس، يضم ملامح الوطن القديمة، ويحكي تفاصيل الصبر والعطاء.
هذا المنجز الاستثنائي لم يكن ليرى النور لولا رؤية حانية، وقيادة ملهمة تؤمن بأن حاضرنا لا يكتمل دون الوفاء لماضينا، ومن هنا، يفيض القلب شكراً وعرفاناً للمستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي يحيط هذا الصرح برعايته وتوجيهاته السديدة، لتبقى الدارة دائماً في طليعة المؤسسات المعرفية.
والشكر يمتد بنبض التقدير إلى معالي الدكتور فهد بن عبدالله السماري، المستشار بالديوان الملكي عضو مجلس إدارة الدارة، الذي أفنى سنوات من العطاء والشغف في خدمة التاريخ الوطني، فكان وما زال الأب الروحي والداعم لكل جهد توثيقي.
ومعه، نرفع القبعة إجلالاً لكل مخرج، وباحث، وموظف في مركز خدمات المستفيدين؛ هؤلاء الجنود المجهولين الذين يعملون بصمت وصبر، ليجعلوا من البحث التاريخي رحلة ممتعة وميسرة.
إلى الدارة، قيادة ومنسوبين: إنكم لا تحفظون الورق، بل تحفظون هوية أمة، وملامح وطن عظيم. شكراً لأنكم جعلتم من الماضي جسراً نعبر منه بفخر نحو المستقبل.