عبدالمجيد بن محمد العُمري
في دروب الحياة وعثراتها، تضيق بالمرء السبل وتُغلق أمامه الأبواب، حتى يظن أن لا مخرج. لكن القلوب التي امتلأت باليقين وتوشحت بالتوكل على الله، تعلم علم اليقين أن فرج الله يأتي كلمح البصر، وأن صنائع المعروف وأمانة الماضي لا تضيع عند رب العباد، بل تدخر كغيثٍ يهمي في أشد أوقات الجفاف.
وهذه القصة الواقعية التي جرت أحداثها في مدينة بريدة، تُسطر لنا معنى التفويض المطلق لله.
كان «أبو محمد» رجلًا طاعنًا في السن، يسكن في مدينة بريدة، وقد تجاوز من عمره الخامسة والثمانين عاماً، عاش في بيته عقوداً طويلة دون أن يملك له أوراقًا ثبوتية (صك تملك)، وحين قررت البلدية نزع ملكية البيت لصالح مشاريع الدولة، لزم الأمر استخراج وثيقة رسمية (حجة استحكام)؛ فتوجه الشيخ بالطلب إلى مدير فرع وزارة العدل بالقصيم آنذاك، الشيخ محمد بن عبدالله الجاسر -رحمه الله.
لكن المفاجأة كانت في اليوم التالي، حين أبلغه الشيخ الجاسر أن تاجراً من وجهاء بريدة تقدم بادعاء أن البيت يعود لعمته، ومعه أوراق ثبوتية تؤكد ذلك.
في تلك اللحظة، لم يغضب الشيخ ولم يشتكِ، بل أطرق رأسه ثم قال برضا تام: «الحمد لله». سأله الجاسر مستغربًا: «ماذا أنت فاعل؟» فأجاب الشيخ بعزة نفسٍ وتفويض: «لن أنهي عمري بالمحاكم والمطالبات، ولن أرد دعواهم.. المدعي جارنا ويصلي معنا، ولي في هذا البيت سبعون سنة لم يطالبني به أحد، والحمد لله على كل حال، لن أطالب بشيء والله وليي».
يروي الشيخ الجاسر قائلًا: عدتُ إلى مكتبي، وبعد صلاة الظهر دخل عليّ أحد وجهاء مدينة الرياض -وهو من أهل بريدة- ويُدعى أحمد بن محمد الدخيل، فقال لي: «يسلم عليك صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبدالعزيز، وإنه يسأل عن (فلان بن فلان)».. وإذا به نفس الرجل المبتلى الذي فارقته ضحى ذلك اليوم بعد أن فوض أمره لله!
قلت للدخيل: «هذا الرجل يرتاد مجلس أخوالك كل مغرب». فقال: «إن الأمير يريده ضرورياً وعلى وجه السرعة». عدتُ إلى الشيخ عصرًا وسألته: «إن الأمير طلال بن عبدالعزيز يسأل عنك، فهل تعرفه من قبل؟» أجاب الشيخ: «لا أعرفه، ولكني أعرف والدته -حفظها الله- منذ أكثر من ثمانية وستين عاماً».
سافر الشيخ الجاسر والتقى بالأمير طلال بن عبدالعزيز وأبلغه بالوصول إلى الرجل، فسأله الأمير بلهفة: «عسى الرجل حي وموجود؟ وكيف أحواله؟» فأخبره الجاسر بأنه حي، ولكنه فقير للغاية، ولا يملك حتى المنزل الذي يؤويه، وروى له ما حدث معه قبل أيام بشأن بيته. فسأل الأمير: «وماذا ترى؟» قال الجاسر: «تشتري له بيتاً» (ولم يكن الجاسر يعلم سر هذا السؤال بعد)، فقال الأمير: «لا بأس، وكم تقترح قيمته؟» قال: «أربعمائة ألف ريال». فقال الأمير: «تم». وأمر وزيره عبدالرحمن الحمودي -رحمه الله- بتنفيذ ذلك فورًا وتحويل المبلغ عبر مصرف الراجحي.
عاد الشيخ الجاسر إلى بريدة، ولم يشأ أن يفاجئ الرجل بالخبر دفعة واحدة لئلا يصيبه مكروه من شدة الفرح، فقال له تدرجاً: «إن الأمير يسلم عليك، وقد أوصى لك بـخمسة عشر ألف ريال، ولزوجتك بـعشرة آلاف». فأجابه الشيخ بلغة الواثق بالله: «أنا مؤمل في الله أكثر من ذلك! فقد رأيت رؤيا خيرٍ البارحة، وأولتها على رزق كبير يبعثه الله لي». حينما سمع الجاسر قوله وتفاؤله، ابتسم وأبلغه بالخبر اليقين وبشراء المنزل له، فحمد الشيخ ربه وأثنى عليه، ودعا للأمير بالبركة والتوفيق.
طلب الرجل من الشيخ الجاسر أن يتولى شراء البيت بنفسه لخلفيته في العقار، فتم شراء منزل مناسب له، وانتقل من ضيق الحاجة والتهديد بالخروج، إلى سعة الملك والأمان.
أما عن سر سؤال الأمير طلال عن هذا الشيخ الصالح، فتعود القصة لعقود طويلة مضت، وتحديداً إلى والدة الأمير (الأميرة منيرة) زوجة الملك عبدالعزيز -رحمهم الله جميعاً-.
ففي أواخر حياتها، كانت تجلس بجوار ابنها الأمير طلال، وكان التلفزيون يبث برنامجاً عن سباقات الإبل، فظهرت ناقة من بين الإبل، فسبحت الأم وثنت بالحمد والشكر لله، وقالت: «هذه الناقة كأنها الناقة التي حملتني في شبابي من بريدة إلى والدك (الملك عبدالعزيز)، وكان يقودها رجل أمين وشريف من شباب أهل بريدة»، وأثنت عليه ثناءً عاطراً ثم قالت: «ليت مَن يعرفه يدلنا عليه؛ لنكرمه على أمانته وإحسانه معي».
وكان ذلك الشاب الأمين.. هو نفسه هذا الشيخ الكبير الذي فوض أمره لله، فسترتْ أمانتُه القديمة شيخوختَه، وساق الله له رزقه بعد ثمانية وستين عاماً؛ فسبحان من بيده ملكوت كل شيء، وما بين غمضة عين والتفاتتها يبدل الله من حال إلى حال.