د. محمد بن إبراهيم الملحم
هل المشكلة في أن يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة، أم في أن يدخل إليها قبل أن نعرف ماذا نريد منه؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حماس تقني، وكذلك يسبق كل خوف تربوي في المقابل، فالمدرسة ليست معرضاً للأدوات الجديدة، وليست أيضاً قلعة تغلق أبوابها في وجه الزمن، فالمدرسة مكان يتعلم فيه الطفل كيف يقرأ، ويكتب، ويفكر، ويخطئ، ويصحح خطأه، فإذا ظهرت أداة تستطيع أن تعطيه الجواب قبل أن يبني طريقه إليه، فالمسألة لا تعود تقنية فقط، بل تصبح مسألة تربوية في صميم معنى التعلم، والواقع إنه لم يعد الخلاف الدولي حول الذكاء الاصطناعي في التعليم العام يدور بين دول تقبله ودول ترفضه بصورة مطلقة، فالسياسات التعليمية التي ظهرت عالميا حتى هذا اليوم تكشف تدرجاً أكثر دقة حيث شملت تعليم الأطفال ماهية الذكاء الاصطناعي ومخاطره، والسماح باستخدام أدوات مقيدة ومصممة للتعلم، ومنع الاستخدام الحر للأدوات التوليدية في الأعمار الصغيرة أو في أداء الواجبات، وهناك فرق كبير بين أن نعلّم الطالب ما الذكاء الاصطناعي، وكيف يعمل، وما حدوده ومخاطره، وبين أن نسمح للطالب باستخدام روبوت محادثة يكتب له الواجب أو يحل له المسألة، فالأولى تسمى ثقافة الذكاء الاصطناعي أو محو الأمية الذكائية، والثانية قد تتحول، إن لم تضبط، إلى تفويض معرفي مبكر أي أن ينقل الطالب عمليات التفكير إلى آلة خارجية قبل أن تتكون لديه عضلات التفكير نفسها، وأبسط مثال يمكن استحضاره هو السماح باستخدام الآلة الحاسبة في العملية الاختبارية لطلاب المرحلة الابتدائية.
وتبدو النرويج نموذجاً لافتاً في التحفظ، فقد أوصت الحكومة في 19 يونيو 2026 بأن لا يستخدم تلاميذ الصفوف من الأول إلى السابع الذكاء الاصطناعي في العمل المدرسي إلا في أضيق الحدود، وأن يكون استخدامه في الصفوف من الثامن إلى العاشر تدريجياً (من ثاني متوسط إلى أول ثانوي) ويكون ذلك تحت توجيه المعلم، بينما يتعلم طلاب المرحلة الثانوية العليا استخدامه بصورة نقدية مناسبة، وهذا الموقف لا يقوم على رفض التقنية، بل على فكرة تربوية قديمة ومتينة تقول: لا تختصر على الطفل الطريق قبل أن يتعلم المشي فيه. فالقراءة والكتابة والحساب ليست نتائج مدرسية فقط، بل أدوات يبني بها العقل استقلاله وكينونته المعرفية. أما فرنسا فقد اختارت تدرجاً قريباً، لكنه أكثر تفصيلاً، فالطلاب في المرحلة الابتدائية يتعرفون على المفاهيم الأساسية للذكاء الاصطناعي من غير أن يتعاملوا مباشرة مع أدوات توليدية، ويبدأ الاستخدام الصفي المحدود والمشروح والمصحوب بالمعلم من الصف الرابع في «الكوليج»، أي في سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة تقريباً (أو الأول والثاني المتوسط لدينا)، ثم يصبح استخدام الطالب في المرحلة الثانوية أكثر استقلالاً، لكن داخل مهمة تعليمية يحددها المعلم، واللافت في الإطار الفرنسي أنه لا يكتفي بتنظيم الاستخدام، بل يعيد تعريف الغش حيث يرى أن إنجاز واجب بالذكاء الاصطناعي من دون إذن صريح ومن دون عمل شخصي يعد غشاً، وفي سنغافورة نجد درساً آخر، فهي لم تترك الطلاب للأدوات التجارية العامة، ولم تمنع الذكاء الاصطناعي بإطلاق، بل بنت بيئة تعليمية مغلقة داخل منصة التعلم الوطنية، ومن الصف الرابع الابتدائي يمكن استخدام ما يسمى «مساعد التعلم» تحت إشراف قريب، وهو مصمم ليطرح أسئلة إرشادية ويقود الطالب إلى التفكير بدلاً من أن يعطيه الإجابة النهائية، والمعنى التربوي هنا هو أنه ليست كل أداة ذكاء اصطناعي مرفوضة بالضرورة فالأداة التي تسأل الطالب»لماذا هذه الخطوة؟» تختلف عن الأداة التي تكتب له الحل كاملاً، فالأولى تساند التفكير، والثانية قد تعيقه.
وفي أستراليا جاء الإطار الوطني للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس ليضع المعادلة في مكان آخر، فهو لا يفرض الاستخدام ولا يعلن الحظر العام، بل يربطه بمبادئ مثل التعلم، والرفاه، والشفافية، والعدالة، والمساءلة، والخصوصية، والأمن، والسلامة، وهذا في تقديري انتقال مهم من سؤال هل نسمح أو نمنع؟ إلى سؤال: ما الدليل على أن هذه الأداة تخدم التعلم ولا تؤذيه؟
باستعراضنا هذه التجارب الدولية الأربع نستنتج قاعدة تربوية هي أن العمر ليس تفصيلاً إدارياً، فالطالب الصغير يحتاج إلى الممارسة اليدوية واللغوية والاجتماعية قبل أن يحتاج إلى اختصار ذكي، أما الطالب الأكبر فيمكن أن يتعلم كيف يسائل الأداة، ويفحص جوابها، ويعرف حدودها، ولذلك فالحذر مع الصغار ليس خوفاً من المستقبل، بل حماية لمرحلة يتكون فيها أساس المستقبل ومهاراته الإنسانية الأساسية، فهي مرحلة التكوين المعرفي والمهاري لهذا الإنسان ولابد أن تسير بالحدود الإنسانية. والخلاصة هي أن العالم لا يتجه إلى السماح الحر، ولا إلى المنع المطلق فهناك تباين، والاتجاه الأعمق هو التمييز بين معرفة الذكاء الاصطناعي واستخدامه، وبين استخدام يقود الطالب إلى التفكير واستخدام يحل محله، وهذا هو الفرق الذي ينبغي أن ننتبه له قبل أن نكرر عبارة أن الذكاء الاصطناعي «مستقبل التعليم» فالمستقبل لا يكفي أن يكون جديداً؛ بل يجب أن يكون تربوياً وللحديث بقية.
** **
- مدير عام تعليم سابقا