د. علي بن عالي السعدوني
ليس من اليسير أن يخرج الإنسان من لقاءٍ عابر وهو يشعر أن الزمن قد أهداه لحظةً تستحق أن تُكتب، وأن الذاكرة قد احتفظت بصورةٍ لا لأن عدسةً التقطتها، وإنما لأن النفس هي التي نقشتها في أعماقها، فبعض الرجال إذا لقيتهم أدركت أن الهيبة ليست فيما يحيط بهم من ألقابٍ ومظاهرٍ رسميةٍ وأبوابٍ تُفتح قبل وصولهم، وإنما فيما يفيض من وجوههم من سكينةٍ تسبق الكلام، وفيما يتدفق من أخلاقهم من تواضعٍ يختصر المسافات التي تصنعها المناصب بين الناس، وفيما تمنحه ابتسامتهم من شعورٍ بأن الإنسان لا يزال هو القيمة الأولى مهما تعاظمت المسؤوليات، ومهما ازدادت الأعباء، ومهما ارتفعت المراتب؛ لأن النفوس الكبيرة لا تحتاج إلى أن تعلن عن عظمتها بل تكفيها بساطةُ الحضور، وصدقُ العبارة، ونبلُ المعاملة حتى يشعر من يجالسها أنه أمام مدرسةٍ في الأدب قبل أن يكون أمام مسؤولٍ في الدولة.
وحين تشرفت بلقاء معالي الدكتور عبداللطيف آل الشيخ لم أكن أرى أمامي وزيرًا يحمل حقيبةً سياديةً فحسب، وإنما كنت أرى رجلًا استطاع أن يجعل من التواضع لغةً لا تغادر ملامحه، ومن البشاشة رفيقةً لا تفارق محياه، ومن حسن الاستقبال خلقًا لا يتبدل باختلاف الأشخاص حتى يخيل إلى الجالس إليه أن المناصب مهما علت لا تستطيع أن تنتزع من القلب صفاءه إذا كان قد تربى على الوفاء، ولا أن تبدل من النفس رقتها إذا كانت قد نشأت على احترام الإنسان، ولا أن تغير من الطباع شيئًا إذا كانت الأخلاق قد أصبحت جزءًا من الفطرة؛ لأن الإنسان يبقى ابن قيمه مهما تبدلت عناوينه، وتظل سيرته الحقيقية هي ما يتركه في نفوس من يلقاهم لا ما يكتب في بطاقات التعريف، ولا ما يسبق اسمه من ألقاب.
وكان الوطن حاضرًا في حديثه حفظه الله حضور الروح في الجسد، لا حضور الكلمات في الخطب حتى شعرت أن المملكة ليست عنده حدودًا مرسومةً على الخارطة، ولا مؤسساتٍ تُدار بالأنظمة، ولا مناصبَ تُمارس فيها الصلاحيات، وإنما كيانٌ يسكن وجدانه، ويجري في ضميره، ويظهر في كل عبارةٍ ينطق بها، وكأن الدفاع عن الوطن عنده ليس موقفًا يُستدعى عند الأزمات، وإنما طبيعةٌ مستقرةٌ في النفس، وإيمانٌ لا يتغير بتغير الظروف، وعهدٌ يتجدد مع كل صباح؛ لأن الرجال الذين يصدقون مع أوطانهم لا يحتاجون إلى أن يعلنوا ولاءهم في كل مناسبة، فمواقفهم هي التي تتحدث عنهم، وأعمالهم هي التي تترجم ما تختزنه قلوبهم من محبةٍ ووفاء.
ولم يكن حديثه حفظه الله عن العلم حديثًا يمر على الأسماع ثم ينقضي أثره، وإنما كان يشبه الغيث حين يقع على الأرض العطشى يوقظ في النفس يقينًا بأن الحضارات لا تُبنى بالحجارة قبل أن تُبنى بالعقول، وأن الكفاح ليس طريقًا مرهقًا كما يتصوره العاجزون، وإنما هو الجسر الوحيد الذي تعبر عليه الأرواح الكبيرة إلى ميادين الإنجاز، وأن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا، وكلما اتسعت معارفه ازداد إدراكًا بأن المعرفة بحرٌ لا تنتهي شواطئه، ولذلك كان يحث على القراءة كما يحث الأب أبناءه، ويدعو إلى الاجتهاد كما يدعو المعلم طلابه، ويغرس في النفوس الأمل كما يغرس الفلاح بذوره وهو على يقينٍ بأن الأيام ستعيد إليه ما زرع أضعافًا مضاعفة.
ولعل أجمل ما يميز المفكر الحق أن أفكاره لا تبقى أسيرة صدره، وإنما تتحول إلى كتبٍ تبقى بعده، وإلى كلماتٍ تعيش في العقول، وإلى معانٍ تتناقلها الأجيال، ولذلك فإن كثرة مؤلفات معاليه لم تبدُ لي أرقامًا تضاف إلى سيرته، وإنما بدت شواهد على عقلٍ لا يعرف السكون، وروحٍ لا ترضى أن تعيش على هامش المعرفة، وإيمانٍ بأن الكلمة إذا خرجت من عقلٍ ناضج، وقلبٍ مخلص، وقلمٍ مسؤول، استطاعت أن تبني من الوعي ما لا تستطيع أن تبنيه كثيرٌ من الوسائل الأخرى؛ لأن الأفكار العظيمة لا تموت بانتهاء أصحابها، وإنما تبدأ حياتها الحقيقية حين تجد طريقها إلى عقول الناس وقلوبهم.
وغادرت ذلك اللقاء وأنا أكثر يقينًا بأن الرجال لا تصنعهم الكراسي، وإنما تصنعهم المبادئ، ولا تخلدهم المناصب، وإنما تخلدهم الأخلاق، ولا يرفعهم الثناء، وإنما ترفعهم أعمالهم، وأن أجمل ما يمكن أن يحمله الإنسان معه بعد كل لقاءٍ ليس صورةً يحتفظ بها في هاتفه، وإنما أثرًا كريمًا يحتفظ به في قلبه، لأن الصور قد يطويها النسيان، أما الأخلاق الصادقة فإنها تبقى مشرقةً في الذاكرة كلما مرت الأيام ازداد بريقها، وكلما تعاقبت السنون ازدادت رسوخًا، لأنها من ذلك النوع من الجمال الذي لا يخبو، ومن ذلك الأثر الذي لا تمحوه الأيام.