محمد الفايز
إذا ضاق الأفق بطل العجب لأن من اعتاد النظر من نافذةٍ صغيرة يظن أن العالم لا يتجاوز حدودها، وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية حين يتحول ضيق الأفق من رأيٍ شخصي إلى خطابٍ يُراد له أن يقود الوعي ويؤثر في الناس.
لم يعد الاحتراق الفكري ظاهرةً عابرة بل أصبح حاضرًا في بعض الطروحات التي تفتقر إلى العمق وتستبدل الفكرة بالشعار والحوار بالضجيج والتحليل بالأحكام المسبقة، فلا تبني وعيًا ولا تقرّب بين الشعوب، ولا تترك أثرًا يُذكر سوى زيادة الانقسام وإعادة إنتاج الخلاف.
إن الكلمة مسؤولية ومن يعتلي منصةً أو يتصدر مشهدًا فكريًا لا يكفيه أن يمتلك منبرًا بل يحتاج إلى رصيدٍ من المعرفة واتساعٍ في الرؤية وقدرةٍ على قراءة الواقع بوعيٍ يوازن بين الفكر ومتطلبات المجتمع، فالأفكار التي تنفصل عن الناس تفقد أثرها مهما بدا بريقها، فليس كل من جلس على كرسيٍ أصبح صاحب مشروعٍ فكري ولا كل لقبٍ منح صاحبه حكمةً أو بصيرة.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات ترتقي بالعقول التي تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتحاور ولا تصادر، أما الخطابات التي تضيق بالاختلاف وتُصادر الرأي الآخر فإنها تكشف محدودية أفقها أكثر مما تكشف عيوب غيرها.
ويبقى الفكر الحقيقي هو الذي يفتح النوافذ ويمنح الإنسان قدرةً على الفهم قبل الحكم، وعلى الإنصاف قبل الاختلاف، أما حين يضيق الأفق فلا يعود في المشهد ما يدعو إلى الدهشة لأن النتيجة تصبح امتدادًا طبيعيًا لمقدماتها.
إن المجتمعات لا تنهض بضيق الأفق ولا يزدهر الوعي بمصادرة الآراء، بل تتقدم حين يكون الحوار وسيلةً للفهم والمعرفة أساسًا للحكم واحترام العقول منهجًا لا استثناء. فكلما اتسعت الرؤية اتسعت معها فرص البناء وتراجع الصوتُ المرتفع أمام قوة الفكرة وبقي الأثر لمن جعل المعرفة رسالةً لا وسيلةً للادعاء.