عبدالعزيز صالح الصالح
قال الشاعر الحكيم:
قلت للأنجم الُمضيئة حَوْلي
أي نًجْمٍ يضيءُ ظُلمة لَيْلي
سرمدي الظلام، هذي دياجيكَ
تراكمن في فؤادي وعقلي
إن فترة سكون في ظلام تُعدُّ مرحلة مقبولة يقضيها كل إنسان في هذا الكون الواسع، وإذا كان البشر يحتاجونها فإن رجال الفكر كذلك بحاجة إليها، فهي راحة من العناء والمشقَّة والكدِّ، واسترداد ما بذلوه من أعمال، واسترجاع ما أعدوه من عصارة عقولهم وهي بذلك أدعى لصفاء الذِّهن وصحة البدن والتفكير، وجودة العطاء، فإن بذرة الحب لا تنبت في أجواء تتحلَّى بالضوضاء والضِّياء، إنما تنبت في جوف الأرض حين لا تراها الأعين، ولا تؤذيها كافَّة الحركات، فإنها تستمتع بكل ما في السكون والظلام من قوَّة، حتَّى إذا تم نضجها خرجت من داخل الأرض بالنور والهواء والحركة بساقها وفروعها وأوراقها لا بنفسها حيث إنها لا تفتن وردة بجمالها ومنظرها وعبيرها قيل أن تدفن بذرتها، يجب أن تمر بها أيَّام وأيَّام حيث إنها تشعر بنفسها ولا يشعر النَّاس بها وإذا أعجبت النّاس بنعيمها فإن أصلها منعماً بظلامه وسكونه، وإذا أقلقت مضجعها وسلبتها هدوءها سلبتك محاسنها فكل حي لا بُدَّ أن يموت ليحيا، وهل النوم إلاَّ غابة من الموت ونوع من الفناء؟
دع الحي يحيا أيَّامه من غير نوم تراه فقد تهدلت أعصابه وتهدمت قواه، وقرب من الفناء الأبدي.
وليس النوم يكفي المفكر، فالنوم عبارة عن أوقات يمضيها في هدوء وسكون وظلام، ويكون فيها منتبها نائماً، يشعر بلذَّة من النوم، كما يشعر بلذَّة الصَّحة، مِّمَّا يتعرض إلى نفحات رب العباد، ويلمع في روحه قبس يشبه الإلهام، مِّمَّا تأتيه الفكرة الناضجة أو الكاشفة، أو اللحظة الدالة فتكون خيراً من ساعات تلو ساعات يقضيها في العمل، وبين المحبرة والقلم والصحف والكتب.
فقد كان نبيِّ الأمَّة محَّمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه (يخلو بنفسه في غار حِراء) ويتعبد فيه، ثم يعود إلى منزله ويجلس مع زوجته خديجة بنت خويلد لكي يتزود من علومها وأخبارها حتى جاءه الحق وهو في غار حِراء.
حيث إن غار حِراء يسوده السكون والظلام، بعيداً عن البشر قريباً إلى الحق، فقد انقطع عن العالم وضوضائه، وعن الدُّنيا وألاعيبها، فقد صفت نفسه من صفاء محيطه، ووجد نفسه فوجد ربه، وتعرض للإلهام فجاءه الإلهام، وتهيَّأ للوحي فنزل عليه الوحي.
فإن النفس البشريَّة بنيت على أساس نفسيِّ وروحيِّ فإنها لا تعبأ بزخارف المدنية وزينة الحضارة، فإنها تريح النَّفس من العناء والتعب والتكاليف والتقاليد، وتسمو بها فوق الأسس والمصطلحات فتجد النفس راحتها الطليقة وتعود إلى طبيعتها الحرة وتسبح في تأملاتها، وبذلك تسترد حيويتها ونشاطها.
في سكون الظلام فإن المرء يرى بعينه ما لا يراه في الضِّياء، يسمع بأذنه ما لا يسمع في الضوضاء، على أنه لا يرى بعينه فحسب، ولا يسمع بأذنه فحسب، بل كل شيء فيه يسمع ويرى، ويفهم منطق الطير، ويتذوُّق كل جميل، ويدرك معاني المياه في خريرها، والرياح في هبوبها، والأشجار في حفيفها فكأنه منح من الحواس أضعاف حواسه، وكأن عالم الصخب يغشى عينه، ويثقل سمعه، ويبلد عقله ويثلم ذوقه، فإن عين الفكر لا يحدها حد ولا يعجزها لون، وآذان لا تسمع إلاَّ من فرع الهواء، وعيون تستعين بالسكون والظلام، أكثر مِّمَّا تستعين بالضوء والهواء.
فإن تأمل الإنسان في هذا الأمر يجد نفسه أفضل الآخرين ويعرف نفسه حينما أنه يعرف غيره أكثر مِّمَّا يعرف نفسه، ومع ذلك يجلس إلى نفسه ويصادقها ويصارحها إلاَّ أن أكثر البشر يجالسون الآخرين ولا يجالسون أنفسهم، ويصارحون النَّاس ولا يصارحون أنفسهم، ويصادقون النَّاس وهم أعداء لأنفسهم فإن البعض من البشر يضيعون كل حياتهم في هزل ولهو - فلا بد من البحث والتفكير والتأمل كما قال الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (101) سورة يونس.
فهو نوع من العقل قد امتزج بنوع من الشعور فقد امتاز به الشرق والغرب قديماً فكان مبعث الأديان ومصدر الإلهام.. والله الموفِّقُ والمعين.