د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
ما إن تُطوى صفحة العام الدراسي حتى تبدأ مرحلة جديدة في حياة الأبناء، ينتظرونها بشغف، ويرى فيها الآباء والأمهات فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أشهر من الالتزام اليومي بالدراسة والواجبات. غير أن الإجازة الصيفية ليست مجرد فترة زمنية خالية من الدراسة، بل هي مساحة تربوية واسعة، قد تكون سببًا في بناء شخصية الأبناء أو إضعافها، بحسب الطريقة التي تُدار بها.
ولعل أول ما ينبغي إدراكه أن الفراغ ليس نعمة على إطلاقها، كما أنه ليس نقمة في ذاته، وإنما تتحدد قيمته بما يملأ به الإنسان وقته. وقد قيل قديمًا: النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. ولهذا فإن ترك الأبناء لأيامهم دون برنامج أو توجيه يجعلهم أكثر عرضة للانجراف خلف ما لا ينفع، سواء في الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، أو السهر الطويل، أو متابعة محتوى لا يتناسب مع قيمهم وأعمارهم.
إن الأسرة هي المدرسة الأولى، ويزداد دورها أهمية خلال الإجازة الصيفية، حين يغيب البرنامج المدرسي المنظم. وهنا يبرز دور الوالدين في رسم ملامح إجازة متوازنة، تجمع بين الراحة والترفيه، وبين التعلم وتنمية المهارات، بعيدًا عن التشدد الذي يحول الإجازة إلى عام دراسي آخر، أو التساهل الذي يجعلها موسمًا للفوضى وإهدار الوقت.
ومن أجمل ما يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها في هذه الفترة أن تغرس فيهم قيمة التخطيط. فوجود برنامج يومي أو أسبوعي، ولو كان بسيطًا، يمنح الطفل والشاب شعورًا بالإنجاز، ويعلمه إدارة وقته، وهي مهارة يحتاجها طوال حياته. ويمكن أن يتضمن البرنامج أوقاتًا للعب، والرياضة، والقراءة، وحفظ القرآن الكريم، وصلة الرحم، والمشاركة في الأعمال التطوعية، إلى جانب الرحلات العائلية التي تعزز الألفة والمحبة.
كما أن الإجازة فرصة لاكتشاف المواهب التي قد لا تظهر داخل الفصول الدراسية. فكم من موهبة في الكتابة، أو الرسم، أو البرمجة، أو الخط العربي، أو التصوير، أو الأعمال اليدوية، وجدت في الإجازة بيئة مناسبة للنمو، ثم تحولت مع الأيام إلى مصدر تميز وإبداع. إن الأبناء يحتاجون إلى من يكتشف قدراتهم، ويمنحهم الثقة، ويوجههم إلى البرامج والدورات التي تصقل تلك المواهب.
ولا يغيب عن أذهاننا أن التقنية أصبحت جزءًا من حياة الجميع، ولم يعد من الواقعي منعها منعًا تامًا، لكن الحكمة تكمن في ترشيد استخدامها. فالساعات الطويلة أمام الشاشات لا تستنزف الوقت فحسب، بل تؤثر في الصحة، والنوم، والعلاقات الأسرية، والتركيز، وقد تفتح أبوابًا إلى محتوى لا يتوافق مع القيم والأخلاق. ومن هنا فإن الحوار مع الأبناء، ووضع ضوابط واضحة، وتقديم البدائل الجذابة، أكثر نفعًا من الاكتفاء بالأوامر والمنع.
ومن الجوانب التي تستحق العناية أن تبقى الإجازة مرتبطة بتعظيم الصلة بالله تعالى. فالصلاة في وقتها، وتلاوة القرآن، والأذكار، وتعويد الأبناء على حضور الدروس العلمية، والمشاركة في حلقات القرآن، كلها أعمال تزرع في نفوسهم الإيمان، وتربطهم بالقيم التي تعصمهم -بإذن الله- من كثير من الانحرافات الفكرية والسلوكية.
كما أن الإجازة فرصة لترسيخ المسؤولية داخل الأسرة. فمن المفيد أن يشارك الأبناء في بعض أعمال المنزل، وأن يتحملوا مسؤوليات تناسب أعمارهم، وأن يتعلموا قيمة الاعتماد على النفس، واحترام الوقت، والمحافظة على الممتلكات، والإنفاق باعتدال. فهذه الدروس العملية تبقى أثرًا في شخصياتهم أكثر من كثير من المواعظ النظرية.
ومن المهم كذلك ألا تتحول الإجازة إلى سباق في الإنفاق والسفر، حتى يشعر بعض الآباء أنهم مطالبون بتوفير رحلات مكلفة أو برامج باهظة لإسعاد أبنائهم. فالسعادة الحقيقية لا ترتبط بكثرة المصروفات، بل بجودة الوقت الذي تقضيه الأسرة معًا. وقد تكون رحلة قصيرة، أو جلسة حوار، أو نزهة في مكان قريب، أعمق أثرًا في نفوس الأبناء من سفر طويل يفتقد الدفء الأسري.
وتبقى المؤسسات التعليمية والثقافية والرياضية شريكًا مهمًا للأسرة في استثمار الإجازة، من خلال البرامج الصيفية التي تنمي المهارات، وتغرس القيم، وتوفر بيئات آمنة يقضي فيها الأبناء أوقاتهم بما يعود عليهم بالنفع. وكلما تكامل دور الأسرة مع هذه المؤسسات، كانت النتائج أكثر أثرًا واستدامة.
وفي الختام، فإن أبناءنا ليسوا بحاجة إلى إجازة تمضي سريعًا، بل إلى إجازة تترك في نفوسهم أثرًا طيبًا، وتضيف إلى شخصياتهم علمًا، وخبرة، وقيمًا، ومهارات. وستنتهي الإجازة كما انتهت كل الإجازات السابقة، لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل أب وأم: ماذا بقي في نفوس أبنائنا بعد انتهائها؟ فإن كان الجواب أنهم عادوا أكثر قربًا من ربهم، وأفضل خلقًا، وأقوى شخصية، وأوسع معرفة، فقد كانت إجازة ناجحة بكل المقاييس.