مهدي العبار العنزي
منذ أن كانت العرب تُهنئ قبائلها ببروز شاعر، والقصيدة لم تكن يوماً مجرد ترفٍ لفظي أو تسلية مجالس، بل هي ديوان الموقف، وصوت الحكمة، وسياج الوطن. وفي زمن التحديات المتسارعة والمستجدات التي نعيشها اليوم، ومع تفاقم بعض الظواهر والطروحات الدخيلة في الفضاء الرقمي، يعود للشاعر دوره المحوري والريادي ليس فقط كصاحب وزن وقافية، بل كجنديٍّ مرابط على ثغور الوعي، وموجّهٍ للبوصلة الاجتماعية والوطنية.
إن الكلمة أمانة، وحين تضطرب الأمواج، يتضح أن الشاعر الحقيقي لا يقل شأناً عن الجندي المرابط في ميادين الشرف؛ فكلاهما يدافع عن حياض الأمة، أحدهما بحد السلاح، والآخر بحد الكلمة الصادقة التي تحمي العقول، وتصون القيم، وترأب الصدع.
جنديٌّ بالحق وشاحذٌ للهمم
يقف الشاعر اليوم في خندق الحق، مسخراً موهبته لبيان الحقائق ودحض الأباطيل. وفي ميادين العزة والشرف، يتحول الشاعر إلى قوة معنوية ضاربة يقف بها خلف جنودنا البواسل وحماة العقيدة والوطن. القصيدة الحماسية الصادقة تعادل كتيبة في أرض المعركة؛ تنبض بالفخر، وتذكّر بالحق، وتثبّت الأقدام، وتخلد تضحيات المرابطين والشهداء في ملاحم يقهر بها العدو ويفخر بها الوطن، ليعلم الجميع أن وراء هذا الأمن رجالاً نذروا أنفسهم لله ثم للمليك والوطن.
الدفاع عن القيم والأصالة
في عصر الانفتاح الرقمي وعولمة الأفكار، تبرز الحاجة ماسة إلى «حراس الموروث». والشاعر هو المؤتمن التاريخي على إرث الآباء والأجداد؛ يعيد إحياء شيم المروءة، والكرم، والشهامة، والفزعة وإغاثة الملهوف وحقوق الجار وبر الوالدين واحترام الرموز، ومن خلال موهبته يغرس في نفوس الأجيال الجديدة قيم الانتماء والاعتزاز بهويتها العريقة. القصيدة هنا اذا كانت فصيحة أو شعبية وتصبح حصناً اجتماعياً منيعاً يمنع ذوبان الهوية أو تأثرها بالظواهر الهابطة.
منارة التلاحم والتعاضد والمحبة
إن قوة أي وطن تكمن في تلاحم صفه الداخلي. والشاعر الواعي هو من يقود مجتمعه نحو وحدة الكلمة والالتفاف حول القيادة وولاة الأمر -أيدهم الله-. وحين تطل النعرات الجاهلية أفكار الفرِقة برأسها، يطلق الشاعر قصائد الألفة والمحبة، مذكّراً بأن قوتنا في اجتماعنا، وأن التعاضد هو السبيل لتجاوز كل عاصفة. يكون الشاعر هنا مصلحاً يداوي القلوب بالقول الحسن، جاعلاً من منبره معول بناء لا هدم.
صون المشاعر والترفع عن التطاول
إن الجمال والسمو هما جوهر الشعر الأصيل، والشاعر الرزين هو من يحترم مشاعر الآخرين، فلا يهمز، ولا يلمز، ولا يقع في فخ الهجاء المقيت أو التنقص من الأفراد والأسر والقبائل إو إثارة النعرات وليعلم كل الشعراء وعلى مختلف مستوياتهم ان التعصب والتطاول لا يبني مجداً بل يوغر الصدور، والشاعر الحقيقي يترفع بقصائده عن المهاترات الرقمية، ويجعل من احترامه لنفسه ولمجتمعه سداً يمنع انزلاق الخطاب نحو البذاءة والفرقة، مستنداً إلى التوجيه الرباني الكريم: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}.
الرزانة السياسية وعدم التطاول على الدول
وامتداداً لهذا الوعي، يدرك الشاعر أن السياسة والعلاقات الدولية لها رجالها وقنواتها الرسمية، وأن إقحام الشعر في الإساءة للدول الأخرى أو رموزها وشعوبها هو منزلق خطير يضر بمصالح الوطن قبل كل شيء. الدفاع عن الوطن والذود عن حياضه بالقصيد هو شرف وواجب، لكنه يُصاغ بالفخر بالمنجزات وتبيان الحق بوعي وثقة، دون الحاجة للهبوط إلى مستنقع الشتم والسب. الشاعر هو سفير غير رسمي لثقافة بلاده ورزانة شعبه، والترفع عن الإساءة للآخرين هو دلالة على قوة الموقف وعمق الحكمة السياسية والاجتماعية التي يستلهمها الشاعر من قيادته.
خاتمة
إن أمانة الكلمة تفوق في ثقلها عذوبة القافية. وحين تبدأ بعض الأمور بالتفاقم أو الخروج عن جادة الصواب، فإن الحكمة تستوجب من فرسان الكلمة وكبار الشعراء وأهل الرأي أن يشهروا قصائدهم بيارقَ هدى، ورسائل ألفة، وسهاماً في وجه من يحاول العبث بأمن هذا المجتمع أو كرامة أهله أو علاقاته بالآخرين. سيظل الشعر ديوان العرب، وسيبقى الشاعر جندياً يحمي بكلمته وطناً، ويبني بحكمته أمة.. والله من وراء القصد.