د.عبدالله الفايز
لا يمكن لأحد أن ينكر مكانة الولايات المتحدة الأمريكية كإحدى أعظم القوى العالمية، ولا ما تمتلكه من مؤسسات راسخة وقدرات اقتصادية وعسكرية وعلمية جعلتها في موقع القيادة الدولية لعقود طويلة. ومن الطبيعي أن تكون لكل دولة كبرى استراتيجيات بعيدة المدى تسعى من خلالها إلى حماية مصالحها وتحقيق الرفاهية لشعبها، وهي استراتيجيات غالبًا ما تتجاوز عمر الإدارات المتعاقبة والرؤساء المنتخبين. ومن وجهة نظري، فإن الشعب الأمريكي، شأنه شأن معظم شعوب العالم، شعب بسيط في تطلعاته الأساسية، يبحث عن الأمن والاستقرار وفرص العمل وتحسين مستوى المعيشة والرعاية الصحية، ويتأثر بالخطاب السياسي الذي يخاطب احتياجاته اليومية وآماله المستقبلية. ومن خلال متابعتي للانتخابات الرئاسية وانتخابات حكام الولايات على مدى عقود، ألاحظ نمطًا يتكرر بصورة تكاد تكون ثابتة.
ففي الحملات الانتخابية يركز المرشحون على مجموعة من الشعارات التي تلامس مشاعر الناخبين، مثل تخفيض الضرائب أو زيادة الضرائب على الأثرياء، وتحسين نظام الرعاية الصحية، وخلق فرص العمل، ودعم الطبقة المتوسطة، وخفض تكاليف المعيشة.
وغالبًا ما تشكل هذه الوعود المحور الرئيس للحملات الانتخابية، فينجح المرشح في كسب تأييد قطاع واسع من الناخبين. لكن ما إن يصل الرئيس أو الحاكم إلى منصبه حتى يواجه واقعًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا. فهناك مؤسسات راسخة، وتوازنات سياسية، ومراكز نفوذ، ومصالح اقتصادية، والتزامات دولية، جميعها تحد من قدرة أي رئيس على تنفيذ برنامجه الانتخابي بالصورة التي وعد بها.
ومع مرور الوقت، يجد كثير من الرؤساء أنفسهم مضطرين إلى تعديل أولوياتهم أو تأجيل وعودهم، بل أحيانًا الانشغال بقضايا داخلية أو خارجية لم تكن جزءًا من برنامجهم الانتخابي، الأمر الذي يجعل الناخب يشعر بأن كثيرًا من الوعود لم يتحقق. ومن هنا يتكون لدي انطباع بأن الانتخابات الأمريكية لا تحدد دائمًا مسار السياسات الاستراتيجية للدولة بقدر ما تحدد أسلوب إدارتها وخطابها السياسي. أما التوجهات الكبرى للدولة، فيبدو أنها تتمتع بدرجة عالية من الاستمرارية بغض النظر عن الحزب الفائز أو شخصية الرئيس، وهو ما يفسر تشابه كثير من السياسات الأساسية رغم اختلاف الإدارات. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل المشهد الانتخابي يتكرر بصورة متشابهة في كل دورة انتخابية؛ إذ تتكرر الوعود ذاتها تقريبًا، وتتجدد الآمال لدى الناخبين، ثم يصطدم الرئيس المنتخب بقيود الواقع السياسي والمؤسسي. وفي رأيي الشخصي، يثير هذا التسلسل المتكرر تساؤلًا حول مدى تأثير الحملات الانتخابية في رسم السياسات الفعلية للدولة، وحول ما إذا كانت هناك اعتبارات استراتيجية ومؤسسية أعمق من البرامج التي تُطرح خلال موسم الانتخابات.
وهذه تبقى قراءة شخصية للمشهد السياسي الأمريكي، قد تتفق مع الواقع في بعض جوانبها وقد تختلف معه في جوانب أخرى، لكنها تعبر عن انطباعي من متابعة تطور الحياة السياسية الأمريكية عبر العقود.
ولعل التاريخ السياسي الأمريكي يقدم أمثلة عديدة على هذه الظاهرة. فالرؤساء، مهما كانت قوة شخصياتهم أو حجم التأييد الشعبي الذي يصلون به إلى البيت الأبيض، يكتشفون بعد توليهم السلطة أن إدارة الدولة أكثر تعقيدًا مما كانت تبدو عليه أثناء الحملات الانتخابية. فالرئيس لا يحكم منفردًا، بل يعمل داخل منظومة مؤسسية تضم الكونغرس بغرفتيه، والمحكمة العليا، والولايات، والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، والبنتاغون، والاحتياطي الفيدرالي، وجماعات الضغط، وكبرى الشركات، ووسائل الإعلام، وجميعها تمتلك تأثيرًا متفاوتًا في صناعة القرار.
فعلى سبيل المثال، وصل باراك أوباما إلى الحكم عام 2008 بشعار «التغيير» ووعد بإغلاق معتقل غوانتانامو وإنهاء عدد من السياسات الأمنية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ورغم أنه نجح في تحقيق بعض الإصلاحات، وعلى رأسها قانون الرعاية الصحية، إلا أن معتقل غوانتانامو بقي مفتوحًا حتى نهاية ولايته، ولم تتحقق العديد من الوعود الأخرى بسبب معارضة الكونغرس وتعقيدات الواقع الأمني والسياسي. كما جاء دونالد ترامب عام 2016 رافعًا شعار «أمريكا أولًا»، ووعد ببناء جدار كامل على الحدود مع المكسيك، وإعادة ملايين الوظائف الصناعية، وتقليص التدخلات الخارجية. ورغم تنفيذ أجزاء من هذه السياسات، فإن كثيرًا من وعوده واجهت عراقيل قانونية ومالية وسياسية، سواء من الكونغرس أو من المحاكم الفيدرالية أو من حكومات الولايات، مما حال دون تنفيذها بالصورة التي وعد بها أثناء حملته. أما جو بايدن، فقد دخل الانتخابات بوعود تتعلق بتوحيد المجتمع الأمريكي، وخفض التضخم، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، وتحقيق تحول كبير نحو الطاقة النظيفة. إلا أن جزءًا من هذه البرامج تعرض للتعديل أو التقليص أو التأخير نتيجة الانقسام الحزبي داخل الكونغرس، وظهور أزمات دولية مثل الحرب في أوكرانيا، ثم تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، وهي أحداث استنزفت جانبًا كبيرًا من اهتمام الإدارة وأعادت ترتيب أولوياتها.
وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن جيمي كارتر ركز على حقوق الإنسان والسلام، لكنه وجد نفسه في نهاية ولايته أمام أزمة الرهائن في إيران التي غيرت مسار رئاسته. كما وصل جورج بوش الابن ببرنامج يركز على القضايا الداخلية والتعليم والاقتصاد، لكن أحداث 11 سبتمبر 2001 غيرت أولويات إدارته بالكامل، لتصبح الحرب على الإرهاب والسياسة الخارجية هي المحور الرئيس لرئاسته طوال ثماني سنوات. بل إن دوايت أيزنهاور، وهو جنرال سابق ورئيس للجمهورية، حذر في خطابه الوداعي عام 1961 من تنامي نفوذ ما سماه «المجمع الصناعي العسكري» (Military-Industrial Complex)، محذرًا من أن العلاقة الوثيقة بين المؤسسة العسكرية والصناعات الدفاعية قد تؤثر في عملية صنع القرار الأمريكي مستقبلاً. ولا يزال هذا الخطاب يُستشهد به حتى اليوم باعتباره اعترافًا من رئيس أمريكي بوجود قوى مؤسسية واقتصادية تمتلك تأثيرًا يتجاوز الإدارات المنتخبة.
ولا يقتصر الأمر على الرؤساء، بل يمتد إلى حكام الولايات أيضًا، حيث يرفع كثير منهم وعودًا انتخابية تتعلق بالتعليم والصحة والضرائب، ثم يصطدمون بقيود الميزانيات المحلية، وأحكام المحاكم، وصلاحيات المجالس التشريعية في ولاياتهم، فيضطرون إلى تعديل برامجهم أو تأجيلها.
ومن هنا يتولد لدي انطباع بأن الانتخابات الأمريكية تمنح الناخب حق اختيار الأشخاص، لكنها لا تمنحهم بالضرورة القدرة على تغيير جميع السياسات الاستراتيجية للدولة. فهناك منظومة مؤسسية متراكمة بُنيت عبر أكثر من قرنين، تضمن استمرارية الدولة وتحول دون حدوث تغيرات جذرية وسريعة، بغض النظر عن هوية الرئيس أو الحزب الحاكم. وقد يكون ذلك أحد أسرار استقرار النظام الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يفسر سبب شعور كثير من الناخبين، بعد كل انتخابات، بأن الفجوة بين الوعود والإنجازات لا تزال قائمة. قد نقول ان هذا شان داخلي في امريكا فما دخلنا في الموضوع، فاعود وأكرر أن ما يدور في امريكا يهمنا في منطقة الشرق الاوسط. واترك الاستنتاج النهائي للقارئ، بدلاً من تقديمه على أنه حقيقة مثبتة.