صبحي شبانة
بعض الرسائل يُكتب بالحسابات الخاطئة، وبعض المغامرات تبدأ حين يظن أصحابها أن ضجيج السلاح قادر على تغيير خرائط السياسة، وفي الشرق الأوسط، حيث تتبدل التحالفات أسرع من تبدل الفصول، لا تتحرك جماعة مسلحة بمعزل عن الإقليم، ولا يأتي التصعيد مصادفة، ولا تُختار الأهداف اعتباطًا، من هذه الزاوية لا يمكن النظر إلى التصعيد الحوثي الأخير ضد المملكة باعتباره مجرد تطور في الحرب اليمنية، بل هو حلقة في مشهد إقليمي أكثر اتساعًا وتعقيدًا، فبينما تتجه عواصم المنطقة إلى بناء اقتصاد جديد، وإبرام شراكات عابرة للحدود، وإطفاء حرائق السنوات الماضية، لا يزال هناك من يعتقد أن الفوضى يمكن أن تكون ورقة تفاوض، وأن استهداف المملكة قد يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكن التاريخ قلّما يمنح فرصة ثانية لمن يصر على السباحة ضد تيار السلام.
الوقائع الأخيرة وما صاحبها من جدل بشأن هبوط طائرة إيرانية في مطار الحديدة، وما أثير حول مخالفة الترتيبات المنصوص عليها في اتفاق ستوكهولم، أعادت إلى الواجهة سؤالًا ظل حاضرًا منذ سنوات: هل تتعامل جماعة الحوثي مع الاتفاقات الدولية باعتبارها التزامات قانونية ملزمة، أم باعتبارها أدوات تكتيكية تُستخدم عندما تخدم مصالحها ويتم تجاوزها عندما تتعارض مع أهدافها؟
لقد جاءت اتفاقية ستوكهولم عام 2018 لتجنب مدينة الحديدة مواجهة عسكرية واسعة، ولحماية الميناء الذي يمثِّل شريانًا حيويًا للمساعدات الإنسانية، وقد وافق التحالف العربي، بقيادة المملكة ، على الاتفاق رغم تقدمه الميداني آنذاك، انطلاقًا من قناعة بأن الحل السياسي هو الطريق الأقل كلفة على الشعب اليمني.
غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن تنفيذ الاتفاق واجه تحديات كبيرة، وظلت هناك اتهامات متبادلة بين أطراف الصراع بشأن الالتزام ببنوده، الأمر الذي أبقى الاتفاق في دائرة الجدل السياسي والقانوني، وأضعف فرص تحويله إلى قاعدة صلبة لبناء الثقة، وفي هذا السياق يكتسب أي تطور يتعلق بمطار أو ميناء الحديدة أهمية استثنائية، لأن هذه المنشآت ترتبط مباشرة بالترتيبات التي أُقرت تحت إشراف الأمم المتحدة، وبما يفترض أن يضمن حيادها وعدم توظيفها في الصراع.
لكن السؤال الأهم يظل: لماذا يتكرر التصعيد ضد المملكة في هذا التوقيت تحديدًا؟ القراءة السياسية تشير إلى أن الحوثيين يسعون أولًا إلى تصدير أزماتهم الداخلية، فالمناطق الواقعة تحت سيطرتهم تواجه تحديات اقتصادية وإنسانية متفاقمة، في ظل تراجع الخدمات واتساع الضغوط المعيشية، وفي مثل هذه الظروف تلجأ كثير من المليشيات والحركات المسلحة إلى رفع وتيرة المواجهة الخارجية بهدف إعادة تعبئة قواعدها وصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية.
أما البعد الثاني، فيرتبط بتحسين شروط التفاوض، فمنذ اندلاع الأزمة اليمنية، درجت الجماعة على استخدام التصعيد العسكري كورقة ضغط سياسية، بما يمنحها -من وجهة نظرها- مساحة أوسع للمناورة على طاولة المفاوضات، خصوصًا كلما اقتربت جهود التسوية من تحقيق اختراق حقيقي.
ويأتي البعد الثالث في إطار المشهد الإقليمي الأوسع، حيث يُنظر إلى الحوثيين بوصفهم أحد أبرز الفاعلين في معادلات النفوذ التي تشهدها المنطقة، وهو ما يجعل أي تصعيد ضد المملكة يحمل رسائل تتجاوز الساحة اليمنية إلى حسابات إقليمية أكثر تعقيدًا.
ولا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن المتغيرات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة. فالمواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، وما تبعها من ضربات أمريكية استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية، فتحت مرحلة جديدة في توازنات القوة والنفوذ، في الوقت الذي تمضي فيه المملكة في ترسيخ نهج مختلف يقوم على تهدئة الصراعات، وتعزيز الاستقرار، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتحويل المنطقة إلى مركز عالمي للاستثمار والتنمية، وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الجماعة الحوثية حريصة على تأكيد حضورها في المشهد الإقليمي، وإظهار أنها ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في موازين الأمن الإقليمي، الأمر الذي يجعل كثيرًا من المراقبين يربطون بين التصعيد العسكري الحالي وبين محاولات إعادة ترتيب أوراق النفوذ في المنطقة، إلا أن هذه السياسة تنطوي على مخاطر متزايدة، لأن المملكة اليوم ليست كما كانت قبل عقد من الزمن. فقد أصبحت لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا محوريًا، تقود مشروعًا تنمويًا غير مسبوق، وتتمتع بحضور دولي متنامٍ، وتؤدي دورًا فاعلًا في دعم الاستقرار الإقليمي وتسوية الأزمات.
وتحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تبنت المملكة رؤية إستراتيجية جعلت التنمية والاقتصاد والانفتاح عنوانًا لمرحلتها الجديدة، ولم يقتصر هذا التحول على الداخل السعودي، بل امتد إلى سياسة خارجية تقوم على بناء الشراكات، وخفض التوترات، ودعم الحلول السياسية للنزاعات، ومن هذا المنطلق كانت الرياض هي الأكثر حرصًا على إنهاء الحرب اليمنية، فقد دعمت المبادرات الأممية، وأعلنت مبادرة السلام السعودية، وأسهمت في تقديم مساعدات إنسانية وتنموية كبيرة للشعب اليمني، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن اليمن واستقراره جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة بأسرها، وفي المقابل فإن استمرار التصعيد لا يضر بالمملكة وحدها، بل ينعكس أولًا على الشعب اليمني الذي دفع أثمانًا باهظة طوال سنوات الحرب، ولا يزال يتطلع إلى دولة مستقرة، واقتصاد قادر على استعادة الحياة، ومؤسسات وطنية تعيد لليمن مكانته الطبيعية.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة؛ مرحلة تتنافس فيها الدول على جذب الاستثمارات، وتطوير الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والمشروعات العملاقة العابرة للحدود. وبينما تتجه غالبية دول المنطقة إلى المستقبل، لا تزال ميليشيا الحوثي تراهن على منطق القوة العسكرية وإدارة الأزمات، وهو رهان يزداد كلفة مع مرور الوقت، إن مستقبل اليمن لن يُبنى بالصواريخ ولا بالطائرات المسيّرة، وإنما بإعادة بناء الدولة، وإحياء المؤسسات، واستعادة الاقتصاد، وفتح المجال أمام اليمنيين لصناعة مستقبلهم بعيدًا عن الاستقطابات الإقليمية، وفي تقديري، فإن أخطر ما في التصعيد الحوثي ليس نتائجه العسكرية المباشرة، وإنما محاولته تعطيل المسار الذي اختارته المنطقة نحو الاستقرار والتنمية، فالمملكة لم تعد تمثل دولة تدافع عن حدودها فحسب، بل أصبحت تمثل ركيزة أساسية في مشروع عربي وإقليمي يقوم على التنمية والانفتاح، وجذب الاستثمارات، وربط الاقتصادات، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.
ومن هنا، فإن أي استهداف لأمن المملكة لا ينبغي النظر إليه باعتباره مواجهة مع دولة بعينها، بل باعتباره استهدافًا لفرصة تاريخية تتشكل في المنطقة، عنوانها السلام بدل الحرب، والتنمية بدل الصراع، والشراكة بدل الانقسام، ويبقى الرهان الحقيقي هو أن تدرك جميع الأطراف أن زمن قياس النفوذ بعدد الصواريخ قد انحسر، وأن مكانة الدول أصبحت تُقاس بقدرتها على بناء اقتصاد قوي، وإنتاج المعرفة، وجذب الاستثمار، وصناعة الاستقرار. فالدول التي تبني الإنسان وتؤسس للمستقبل هي التي تفرض حضورها وتحظى باحترام العالم، أما مشاريع الفوضى والحروب، فمهما طالت، فإنها لا تترك وراءها سوى الخراب، بينما يبقى البناء هو اللغة الوحيدة التي يخلدها التاريخ.