د. ياسين علي محمد عزي
لم أكن أظن، بعد سنوات قضيتها في الولايات المتحدة مبتعثًا، وما تخللها وتلاها من أسفار إلى مدن وعواصم كثيرة، أن الدهشة التي كنت أبحث عنها بعيدًا ستنتظرني يومًا داخل الوطن. هناك رأيت كيف تُصنع هوية المدن؛ شارعٌ يتحول إلى حكاية، وساحةٌ تصبح موعدًا، وبحرٌ يمنح المكان شخصيته، وتفصيلٌ صغير يترك في النفس أثرًا يفوق حجمه. كنت أعتقد أن مثل تلك التجارب لا تولد إلا في المدن التي سبقتنا بعقود، حتى بدأت أراها تتشكل أمامي هنا، بأنامل سعودية، وبرؤية تعرف كيف تصنع الوجهة قبل أن تدعو الناس إليها.
قبل سنوات قليلة، كان السؤال الذي يسبق الإجازة يكاد يكون ثابتًا: إلى أين نسافر؟ وكانت الإجابة، في وعي كثيرين، تبدأ من خارج الحدود. أما اليوم، فقد تغير السؤال بهدوء لافت: إلى أي مدينة سعودية نتجه؟ أي موسم نختار؟ وأي وجهة لم نمنحها وقتها بعد؟ الرياض أم جدة؟ مكة أم المدينة؟ عسير أم جازان؟ حائل أم الشرقية؟ أم نجران التي دخلت مؤخرًا خريطة الجذب بوعد جديد، بعدما أدركت هي الأخرى أن لكل مكان قصة تستحق أن تُروى.
ولعل أجمل ما في هذا التحول أنه لم يبدأ من بناء وجهة، بل من إعادة اكتشاف الوطن نفسه. فما نراه اليوم ليس مجرد فعاليات تتعاقب، ولا مواسم يزدحم بها التقويم، بل مشروع وطني أعاد النظر في معنى المكان، وفي علاقة الإنسان بمدينته، وفي الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الجغرافيا إلى تجربة، والهوية إلى عنصر جذب، والتنمية إلى شعور يعيشه الناس قبل أن يقرؤوه في التقارير.
ولهذا تبدو رؤية المملكة العربية السعودية 2030، في جانبها السياحي والترفيهي، أكثر من خطة لتنشيط قطاع اقتصادي. إنها إعادة صياغة لفكرة الوطن بوصفه مساحة واسعة للحياة. وطن لا يُكتشف مرة واحدة، بل يكشف في كل رحلة جانبًا جديدًا من جماله، وفي كل مدينة وجهًا مختلفًا من شخصيته.
عندما أُنشئت الهيئة العامة للترفيه عام 2016، لم يكن الهدف إنشاء جهة حكومية جديدة بقدر ما كان فتح مسار مختلف في التفكير. لم يعد الترفيه نشاطًا هامشيًا، ولا مساحة منفصلة عن التنمية، بل أصبح جزءًا من مشروع أكبر يضع الإنسان في مركز التحول، ويمنح المدن أسبابًا جديدة للحياة، ويخلق فرصًا للاستثمار والعمل، ويقدم المملكة بصورة حديثة تنطلق من هويتها، لا على حسابها.
والأجمل أن التجربة السعودية لم تبحث عن نسخة جاهزة تستنسخها، بل صنعت نموذجها الخاص. فالفعالية هنا ليست غاية، وإنما وسيلة لتحريك المكان، وإحياء الاقتصاد المحلي، وفتح المجال أمام المبادرات الوطنية، وجعل المدينة أكثر قدرة على الاحتفاظ بزوارها وسكانها. وهكذا يتحول الفرح من لحظة عابرة إلى أثر يمتد في تفاصيل الحياة.
ولهذا لا تحتاج التجربة إلى أن تتحدث كثيرًا عن أرقامها، مهما كانت كبيرة، لأن الأرقام تشرح حجم الإنجاز، لكنها لا تستطيع أن تصف أثره. والأثر الحقيقي يراه كل من لاحظ كيف تغيّرت علاقة السعوديين بمدنهم، وكيف أصبح السفر داخل المملكة خيارًا يُختار رغبةً، لا بديلًا يُفرض.
أما الجمال الأكبر، فيكمن في أن هذا التحول لم يتركز في مدينة واحدة، بل امتد على مساحة الوطن كله. لم تعد المناطق تنتظر نصيبها من التنمية، بل راحت تبحث في أعماقها عما يميزها. البحر يتحدث بلغته في مكان، والمرتفعات تروي قصتها في مكان آخر، والصحراء تستعيد حضورها، والتراث يخرج من الكتب إلى الحياة، والجزر تفتح أبوابها للزوار. وكأن الرؤية لم تسأل المدن: ماذا ينقصكم؟ بل سألتها سؤالًا أكثر عمقًا: ما الذي تملكونه، ولم يكتشفه الناس بعد؟
في الرياض، يظهر هذا التحول بأوضح صوره. العاصمة لم تعد تستضيف الأحداث، بل أصبحت واحدة من المدن التي تُصنع فيها الأحداث. من البوليفاردات إلى المسارح، ومن البطولات الرياضية العالمية إلى التجارب الفنية والثقافية، لم يعد الحديث عن فعالية بعينها، بل عن مدينة أعادت تعريف علاقتها بسكانها وزوارها.
وأقول ذلك من واقع ما رأيته خارج المملكة قبل سنوات، ثم رأيته اليوم داخلها. ففي بعض وجهات الرياض ينتابك ذلك الإحساس الذي تعرفه المدن العالمية الكبرى؛ ليس لأن المكان يحاول تقليدها، بل لأنه تجاوز منطق التقليد. دقة التنظيم، وانسيابية الحركة، وجودة المشهد البصري، والعناية بالتفاصيل، وتكامل الخدمات، وحضور الفن في الفضاء العام، كلها تمنح الزائر شعورًا بأنه في وجهة عالمية. ثم لا تلبث أن تسمع اللهجة السعودية، وتشم رائحة القهوة، وترى الهوية حاضرة في التفاصيل، فتدرك أنك لم تغادر وطنك أصلًا. وربما كانت هذه أجمل صور النجاح؛ أن تشعر بأنك سافرت بعيدًا، بينما أنت ما زلت على أرض الوطن.
أما جدة، فقد أعادت اكتشاف البحر. لم يعد الساحل مجرد امتداد للماء، بل أصبح فضاءً للحياة. الواجهات البحرية، ومشروعات وسط جدة، وتطوير أبحر، ومواسم المدينة، كلها منحت البحر وظيفة جديدة؛ فلم يعد حدًا تنتهي عنده المدينة، بل بداية لحكاية مختلفة. هناك تلتقي العمارة بالفن، وتتصافح الضيافة مع التاريخ، ويصبح البحر جزءًا من هوية المكان لا مجرد منظر يطل عليه الزائر.
في مكة المكرمة، تأخذ السياحة معنى آخر لا يشبه أي مكان في العالم. فهنا لا تُقاس الرحلة بعدد الأيام، بل بما تتركه في القلب. ومع رؤية المملكة 2030، لم تعد خدمة ضيوف الرحمن تقتصر على تسهيل الوصول إلى المسجد الحرام، بل أصبحت مشروعًا حضاريًا متكاملًا يعيد تشكيل التجربة منذ لحظة الحصول على التأشيرة، مرورًا بالنقل والخدمات الذكية، وانتهاءً بالإثراء الثقافي والمعرفي. التوسعات العملاقة، وقطار الحرمين، ومشروع “مسار”، والتطبيقات الذكية، والمتاحف، والمراكز التفاعلية، كلها تقول إن المملكة لا تستقبل ملايين المسلمين فحسب، بل تعمل على أن تكون رحلتهم أكثر يسرًا وطمأنينة وثراءً.
ويمتد هذا المعنى إلى المدينة المنورة، التي تمضي بهدوئها المعروف نحو تجربة أكثر تكاملًا. فالمدينة لا تستقبل الزائر بوصفه عابر طريق، بل تحتضنه في فضاء يجمع السكينة بالتاريخ. تطوير المواقع الإسلامية، وتحسين شبكة النقل، ومشروعات الضيافة، والمبادرات الثقافية، كلها تجعل الزيارة أطول أثرًا، وأكثر اتصالًا بسيرة المكان وروحه. لم تعد المدينة محطة تلي مكة، بل أصبحت مقصدًا قائمًا بذاته، يجد فيه الزائر ما يغذي الروح والعقل معًا.
وفي عسير، لا تبدو الطبيعة وحدها هي عازفة الجمال، بل الطريقة التي قُدمت بها. الجبال التي كانت تُرى من بعيد أصبحت تُعاش من الداخل. الغيم، والضباب، والمغامرات، والمواسم، والمشروعات السياحية، كلها لم تنتزع المكان من طبيعته، بل قرأت تلك الطبيعة قراءة جديدة. هناك لا تشعر أنك تزور مرتفعًا جغرافيًا، بل فضاءً للحياة، يجمع بين جمال المشهد وجودة التجربة.
وفي المنطقة الشرقية، تتشكل ملامح وجهة مختلفة. هنا يتجاور البحر مع الصناعة، والثقافة مع الاقتصاد، والعمل مع أسلوب الحياة. الدمام والخبر والظهران لم تعد مدنًا متقاربة جغرافيًا فحسب، بل أصبحت فضاءً واحدًا تتكامل فيه الواجهة البحرية، والمراكز الثقافية، والمشروعات الترفيهية، والمرافق الحديثة. إنها منطقة تضيف إلى صورتها الاقتصادية بعدًا إنسانيًا يجعلها أكثر قربًا من الزائر، وأكثر قدرة على الاحتفاظ به.
أما حائل، فتروي قصتها بلغة لا يخطئها من يعرفها. هنا لا تُستعار هوية المكان من الخارج، بل تُستخرج من أعماقه. بين جبال أجا وسلمى، ورالي حائل، ومهرجانات الشتاء، ومشروعات أنسنة المدينة، تبدو الصحراء أكثر من امتداد للرمل؛ تبدو فضاءً رحبًا للحياة. الكرم الذي اشتهرت به حائل لم يعد يروى في الكتب وحدها، بل صار يُترجم إلى تجربة يعيشها الزائر منذ لحظة وصوله.
وفي جازان، تتحدث الجغرافيا بلهجة الجنوب. البحر الأحمر، وجزر فرسان، ووادي لجب، والسهول الخصبة، والمواسم الشعبية، والمشروعات السياحية الجديدة، كلها تجتمع في مشهد يصعب أن يتكرر في مكان آخر. هنا لا تتنافس الطبيعة مع التنمية، بل تتكامل معها. فكل مشروع جديد يبدو امتدادًا للمكان، لا قطيعة معه. وكأن التنمية جاءت لتكشف الجمال الذي كان حاضرًا منذ زمن، لا لتصنع جمالًا غريبًا عنه.
أما نجران، فتمثل واحدة من أجمل مفاجآت هذا التحول. إعلان مشروع «قلب نجران» لم يكن مجرد خبر عن وجهة جديدة، بل رسالة أعمق؛ مفادها أن الهوية المحلية ليست عبئًا على التنمية، بل هي أحد مصادر قوتها. الطراز النجراني، والعناصر المعمارية التقليدية، والفراغات العامة، والأنشطة الثقافية، والمرافق الترفيهية، كلها صيغت في مشروع يقول إن المستقبل لا يبدأ بإلغاء الماضي، وإنما بإعادة قراءته بلغة العصر. ولو تأملنا هذه المدن مجتمعة، لاكتشفنا أن المملكة لم تبنِ وجهات متشابهة، بل صنعت أماكن جذب مختلفة. الرياض لا تشبه جدة، وجدة لا تشبه عسير، وعسير ليست حائل، والشرقية تختلف عن جازان، ونجران لا تشبه سواها. وهذا تحديدًا ما يجعل الخريطة السعودية أكثر ثراءً؛ لأن الجاذبية لا تولد من التشابه، بل من الاختلاف.
ولم يقتصر التحول على بناء الوجهات، بل امتد إلى إعادة التفكير في الرحلة ذاتها. فالحديث عن تأشيرة الباقات السياحية ليس إجراءً تنظيميًا فحسب، بل يعكس فلسفة جديدة ترى أن الزائر لا يبحث عن تذكرة أو فندق فقط، وإنما عن تجربة متكاملة تبدأ قبل الوصول ولا تنتهي عند المغادرة. هكذا تُدار الوجهات الكبرى في العالم؛ لا تترك المسافر يجمع تفاصيل رحلته من أماكن متفرقة، بل تقدم له رحلة واحدة متماسكة، يشعر خلالها أن كل التفاصيل خُلقت لتخدم تجربته.
وربما هنا يكمن التحول الأهم. فالمملكة لم تعد تسوّق مدينة، أو موسمًا، أو فعالية، بل تعيد تعريف الوطن بوصفه وجهةً كاملة. وطنٌ تستطيع أن تنتقل فيه من شاطئ إلى جبل، ومن صحراء إلى جزيرة، ومن رحلة روحانية في مكة والمدينة إلى أمسية فنية في الرياض، أو إطلالة بحرية في جدة، أو مغامرة بين غيم عسير، دون أن تغادر الحكاية ذاتها. تتنوع الأمكنة، وتختلف التجارب، غير أن القلب الذي يمنحها الحياة واحد.
لقد أصبح المكان أقرب إلى الإنسان، وأصبحت المدن أكثر قدرة على رواية قصتها بنفسها. ولم يعد المواطن يلتفت إلى الخارج بحثًا عن كل جديد؛ لأنه بات يرى في وطنه ما يستحق الاكتشاف مرة بعد أخرى.
وربما لهذا يمكن القول إن المملكة لا تعيد رسم خريطة السياحة الداخلية فحسب، بل تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والمكان.
فالترفيه، في صورته الجديدة، لم يعد وعدًا بساعات من المتعة، ولا مناسبة تنتهي بانتهاء يومها، بل أصبح وسيلة ليقترب الإنسان من وطنه أكثر. فكل مدينة تستعيد ما يميزها، وكل منطقة تكتشف صوتها الخاص، وكل مشروع يضيف صفحة جديدة إلى الحكاية نفسها.
وأحسب أن أجمل ما صنعته رؤية المملكة 2030 أنها لم تجعل السعودي يبحث عن وطن آخر ليعيش تجربة مختلفة، بل جعلت وطنه يتجدد أمامه في كل رحلة. أصبح السفر داخل المملكة اكتشافًا لا يقل دهشة عن السفر خارجها، وربما يفوقه؛ لأنك لا تكتشف مكانًا جديدًا فحسب، بل تكتشف وطنًا كنت تظن أنك تعرفه، فإذا به يكشف لك في كل مرة وجهًا أجمل من الذي قبله.
ولهذا، لم تعد السعودية محطةً ينطلق منها المسافر إلى العالم، بل أصبحت وجهة يقصدها أبناؤها قبل غيرهم. وحين يصل الوطن إلى هذه المرحلة، فإنه لا يكون قد نجح في صناعة السياحة فقط، بل نجح في صناعة الانتماء. وهذا، في تقديري، هو الإنجاز الذي سيبقى أطول عمرًا من أي موسم، وأعمق أثرًا من أي فعالية، وأجمل من أي رقم.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي