الهادي التليلي
وأنت تحاور حيرتك حول وجهة سفرك لإجازة هذا العام وتستشير أحبابك يميناً وشمالاً تستوقفك مصر كوجهة سياحية جاذبة بأهم معالمها مثل معابد الكرنك والأقصر ووادي الملوك ومعبد أبو سمبل ومدنها السياحية مثل الساحل الشمالي وشرم الشيخ والغردقة على البحر الأحمر ومدينة العلمين على البحر الأبيض المتوسط وتاريخها العريق الضارب في القدم، ولعل حضورها في أقدم المؤلفات في التاريخ مثل الإلياذة والأوديسة لهوميروس منذ القرن الثامن قبل الميلاد «مصر هبة النيل» بل ذكرها مئات المرات في التوراة والإنجيل وفي القرآن خمس مرات كاملة يشهد بعراقتها.
اختيار الرحلة لساحل البحر الأحمر وتحديداً لشاطئ شرم الشيخ يعود لعدة أسباب أولها شخصي يعود لفترة الزواج، حيث كان من المخطط له غير المنفذ رحلة شهر العسل بمصر ولكن ظروف العمل ساعتها حالت دون ذلك، وثانيها موضوعي هو أن الطقس والجمال العذري للطبيعة الأشبه بالجو الجزري الذي أعشقه يتوفر في هذا المكان وفعلاً كانت الرحلة في المكان وفي الطبيعة وفي الجمال وفي كل شيء رحلة لم تكن فقط من مطار الملك خالد الدولي إلى مطار شرم الشيخ، بل رحلة في الذاكرة والتاريخ.
مدينة شرم الشيخ السياحية لم تكن لتكون بهذا الجمال لولا جهود الدولة المصرية على مختلف قياداتها، فبعد أن كانت خاضعة للاحتلال الإسرائيلي منذ حرب أكتوبر 1967 وقبلها كانت قرية هادئة تستوعب أحلام الصيادين عادت للسيادة المصرية في 1982 ، هذا الزمن المفصلي في تاريخ شرم الشيخ يعد نقطة تحول نوعي سواء على مستوى الهندسة الحضرية أو على مستوى التوجه نحو مدينة سياحية جاذبة وقد استمرت استثمارات الدولة في تشييد الفنادق والمنشآت السياحية الكبرى وتدعم ذلك بإعلان شرم الشيخ كمركز إداري لمحافظة جنوب سيناء.
بل تحولت في السنوات الأخيرة شرم الشيخ إلى عاصمة سلام ومركز للمؤتمرات العالمية منها قمة صنَّاع السلام في سنة 1996 بحضور عدة زعماء من كل العالم كان من بينهم بيل كلينتون، وفي سنة 1999 احتضنت مذكرة التفاهم بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية مصرية أمريكية، وفي 2003 احتضنت القمة العربية وكان في جدول أعمالها الحرب على العراق الشقيق والقضية الفلسطينية وقمة شرم الشيخ 2005 بين مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل وفي 2009 قمة حركة عدم الانحياز وفي 2015 المؤتمر الاقتصادي المصري وفي 2022 مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ ولعل من أهمها قمة شرم الشيخ للسلام في 2025 بحضور ترامب والسيسي وأردوغان وماكرون وميلوني وتميم بن حمد آل ثاني ووزير الخارجية السعودي فيصل آل فرحان.
خارج هذا الزخم التاريخي والجيوسياسي تقف شرم الشيخ كإحدى عواصم الجمال بسحرها وجمالها ودفقها السياحي الكوني التي أصبحت تتوفر عليها، حيث تشعر وأنت تدخل مدينة شرم الشيخ أنك في كوكب آخر جميل يمتزج فيه الجمال بالترفيه وبالهدوء هنا كل شيء لا حسب ما تطلب، بل حسب ما تشتهي.
فأنت سواء كنت في خليج نعمة، حيث الفخامة والرفاه، أو في محمية راس محمد أو ميدان سوهو راس أم سيد أو خليج القرشا ومحمية نبق، أو لو كنت من الباحثين عن العمق التاريخي الروحاني في الجبل المقدس ودير سانت كاترين أو رحلات السفاري أو الرحلات البحرية والغوص والمغامرات وغيرها.
الزمن في شرم الشيخ لا يُقاس بالساعات، بل بمقاييس أعمق تسمح لك بإعادة تحميل الشحنة الإيجابية في داخلك ففي هذا المكان تسهر كما يطيب لك وتستفيق باكراً نشيطاً كما لو كنت في كوكب الحب وتستمتع بجمال طبيعة ساحر.
ولعل ترحيب أهل المكان وجمال استقبال أهله يجعلك تشعر وكأنك لم تغادر الرياض أو تونس الرئتين اللتين أتنفس من حبهما.