صالح الشادي
في مشهد يليق بحضارة تضع الإنسان في صميم اهتمامها، تقف المملكة العربية السعودية - بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين - حفظهما الله في طليعة الدول التي أولت فئة المتقاعدين وكبار السن مكانة تليق بما قدموه لوطنهم. فمن خلال برنامج «تقدير» الذي أطلقته المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، ومن خلال شراكاته التي تجاوزت الستمائة جهة، صار هناك متنفس واسع يصل إلى أكثر من مليون وثمانمائة ألف مستفيد. ولم تقف المكرمات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل بطاقة «امتياز» الرقمية، ودور الرعاية الاجتماعية، وغيرها من الخدمات التي تعكس حرصاً كبيراً على كرامة من قضى عمره في خدمة الوطن.
وفي خضم هذا العطاء المتجدد، تبقى حياة المتقاعد اليومية بكل تفاصيلها مساحة يمكن أن تستوعب مزيداً من التخفيفات التي تمس احتياجاته المباشرة. فالمتقاعد الذي يدفع إيجاراً شهرياً، ويعيل أبناء في مقتبل العمر، ويواجه نفقات صحية متزايدة، قد يشعر في بعض الأحيان أن معاشه لا يواكب حركة الأسعار وتقلبات السوق. وهنا تبرز بعض الأفكار التي قد تكون إضافة لطيفة إلى ما هو قائم، لا بقصد النقص مما يقدم، بل انطلاقاً من روح التكامل والمشاركة في تحسين جودة الحياة، كما تحلم به رؤيتنا المباركة. من هذه الأفكار، ما يتعلق بتخفيف فواتير الماء والكهرباء لهذه الفئة بنسب متفاوتة، فهي خدمة يومية تمس جوهر المعيشة. كذلك، تطرح فكرة الإعفاء الجزئي من ضريبة القيمة المضافة على مستلزماتهم الأساسية من طعام ودواء، وما ذلك إلا وفاءً لجهودهم وتقديراً لواقعهم.
وما أجمل أن تتفق المولات والأسواق التجارية على خصم موحد لكبار السن، بدلاً من الخصومات المتفرقة التي قد لا يجدون سبيلاً إليها، وأن تُخصص للمستأجرين منهم بدلات إيجار رمزية تساندهم في مواجهة ارتفاع الأسعار. بل ربما كان من الحكمة أن يرتبط المعاش التقاعدي بمؤشر تضخم سنوي، يحفظ له قيمته ولا يتركه فريسة لتقلبات الزمن.
أما الجانب التوعوي، فهو بحاجة إلى وقفة حانية، إذ لا يزال كثير من المتقاعدين يجهلون الخدمات الرقمية الميسرة لهم، مما يحرمهم من الاستفادة من خصومات ومزايا هي من حقهم. ولو أن القطاع الخاص وجد نفسه شريكاً فاعلاً في هذا الملف، فسيقدم خدمة إنسانية قبل أن تكون تسويقية، يترجم بها وفاءه لجيل كان سبباً في نهضة السوق التي ينشط فيها اليوم.
لعل القائمين على ملف كبار السن والمتقاعدين يجدون في هذه الأفكار ما يستوقفهم بلطف، وما يدفعهم إلى مزيد من الإبداع في رسم سياسات تراعي أدق تفاصيل حياة هذه الفئة الغالية. هم أهل الثقة والمسؤولية، ومن سبقوا في العطاء لا يبخلون باستكماله، وكل ما تقدم ليس سوى همسات مودة تترجم حباً عميقاً، وتعبّر عن يقين بأن نظرتهم الثاقبة ستجد فيها ما يثري مسيرة العطاء التي لا تنقطع. وستبقى أيام المتقاعدين بعد التقاعد جميلة كما كانت أيام عطائهم، يستظلون بظل عناية جعلت من راحتهم غاية ومن كرامتهم نهجاً، نسأل الله أن يبارك في جهود الجميع، ويزيدهم توفيقاً وسداداً، ويديم على هذا الوطن نعمة الأمن والرخاء.