أ.د.عثمان بن صالح العامر
في الجنائز تختفي الأسئلة الصعبة مؤقتًا، ويعلو صوت التحسر والرثاء، يحضر النحيب والبكاء، تصبح صورة الميت أكبر من سيرته، وقد يتحول النعش إلى منصة، والدمعة إلى موقف، والحشود التي اجتمعت لتشهد لحظة الوداع الأخير إلى استفتاء شعبي غير مكتوب.
وفي إيران تحديدًا، تطورت هذه الصناعة بصورة لافتة. فبعض جماعات العزاء الديني التي تشكلت لإحياء ذكرى الحسين رضي الله عنه تحولت في ستينيات القرن الماضي إلى شبكات تعبئة سياسية مؤثرة، وأسهمت لاحقًا في الثورة الإيرانية سنة 1979م التي عرفت كيف تستثمر دورة الموت والعزاء في تعزيز النفوذ السياسي وإحكام القبضة العسكرية.
ثم جاء النظام الإيراني بعد الثورة مباشرة ليطور هذه الآلية، وينقلها من أداة احتجاج على السلطة إلى أداة من أدوات السلطة نفسها! رأينا ذلك في تشييع الخميني عام 1989، ثم في جنازات الشخصيات العسكرية والسياسية، ولعل جنازة قاسم سليماني سنة 2020م كانت نموذجًا واضحًا لهذا التوظيف السياسي المدروس.
وفي الأسبوع الماضي جاءت جنازة الرئيس الإيراني الراحل (علي خامنئي) لتؤكد أن «سياسة الجنائز» لم تفقد بريقها بعد.
لم يكن مسار التشييع مجرد انتقال لجثمان رجل مات؛ بل كان خطابًا جغرافيًا وسياسيًا كاملًا: طهران، وقم، ثم النجف وكربلاء، وصولًا إلى مشهد.
مدن مختارة بعناية، وكل مدينة تحمل دلالتها الدينية والسياسية. طقس سياسي ضخم، هدفه، إلى جانب وداع الراحل، تأكيد استمرارية النظام وإظهار تماسك مؤسساته بعد الحرب.
صورة جوية لملايين الرؤوس، نعش يسبح فوق بحر من البشر، رايات وشعارات وأناشيد، إعلام قديم وجديد ينقل الصور السوداء إلى الداخل والخارج ليقول للعالم أجمع رسالة واحدة: «نحن هنا.. وما زلنا أقوياء».
مع أنه لا ينبغي أن تُقرأ هذه الصور قراءة ساذجة. فوجود مئات الآلاف أو الملايين في الشوارع لا يعني بالضرورة أن كل فرد يحمل الموقف السياسي نفسه.
وقد نقلت (رويترز) عن مشاركين أن بعضهم حضر بدافع الواجب الديني أو الرغبة في مشاهدة لحظة تاريخية، وحذر محللون من اعتبار حجم المشاركة استفتاءً على الجمهورية الإسلامية.
إن التوظيف السياسي للجنائز يقوم على تحويل الموت، الذي يفترض أن يسكت الخصومات، إلى مادة لإطالة عمرها.
نقل الحزن من شأن إنساني إلى رأسمال سياسي، والميت من إنسان له ما له وعليه ما عليه إلى «أيقونة» يصعب نقدها؛ لأن نقد الرمز في لحظة البكاء يبدو وكأنه اعتداء على مشاعر المشيعين.
ومن كربلاء إلى طهران، وبينهما قرون طويلة، تغيرت الدول والحكام والناس ووسائل الإعلام، لكن بقيت قاعدة سياسية واحدة: حين يعجز السياسي عن إقناع العقل، قد يستدعي الذاكرة والدم والدمعة!
وما بين جنازة صادقة يودع فيها الناس من أحبوا، وجنازة تُهندس مساراتها وشعاراتها وصورها ورسائلها، مسافة شاسعة.
إنها المسافة بين دفن الموتى.. واستثمار الموت، دمتم بخير، وإلى لقاء والسلام