د.محمد بن عبدالرحمن البشر
نعود للحديث عن إيران بعد أن اعتقدنا أننا قد تجاوزنا الحديث عنها إلى غيرها، وكأن إيران قد استعذبت قول الشاعر المتنبي:
الظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن تَجِد
ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظلِمُ
وقبل أن نبحر في الحديث عن إيران، يطيب الحديث عن مناسبة قول المتنبي لهذا البيت من الشعر، فقد كان المتنبي في طريقه ماراً بطرابلس في الشام، وكان حاكم تلك الناحية في ذلك الوقت إسحاق بن إبراهيم ابن يلغلغ الأعور، فذكر لهذا الحاكم أن المتنبي وصل هذه البلاد في طريقه من الرملة إلى أنطاكيا، وإنه لم يتصل به ترفعا وزهواً كما هي عادة المتنبي الذي ينتقي من يمدحه، ولا يطرق باب الحكام، وإنما يرسلون في طلبة، وكان من جلساء إسحاق بن يلغلغ بني حيدرة الذين لهم سابق عداوة مع والد المتنبي، وقد اوغروا قلب إسحاق بن إبراهيم على المتنبي، وحضوه على قتله، فأرسل إليه يطلب أن يمدحه، فاعتذر مدعياً انه قد آل على نفسه أن لا يمدح أحد لمدة ستة أشهر، فحبسه الحاكم إسحاق حتى تنتهي الأشهر المحددة لكي يمدحه، ويقول فيه من الشعر ما يطربه، لكن المتنبي استطاع الخلاص والهروب من السجن، وقبل أن يغادر، كتب قصيدة منها هذا البيت المذكور، وهي من روائع مفردات المتنبي، وأعطاها إلى من يثق به، وطلب منه أن ينشرها بعد أن يغادر البلاد، فكانت قصيدة لم تبق ولم تذر في الهجاء الفاحش، وأيضا الحكمة الرائعة.
نعود للحديث عن إيران التي كنا ننظر أنها عادت إلى رشدها عندما وافقت على بنود مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها عادت إلى ما اعتدت عليه وكأنها تمثلت في قول المتنبي في بيته الشعري السابق، فقد توهّمت أنها تستطيع ان تمتلك مياه الخليج بلا قيود دولية، أو شرائع إنسانية، أو منطق عقلي، وأخذت في ضرب السفن التجارية العابرة في مسارات مائية جديدة تمر من السواحل العمانية، مدعية أنها لم تأخذ ترخيص بذلك، وأعجب كل العجب من هذا الطلب الذي لا يمكن قبوله من كل ذي عقل فما لإيران والسواحل الأخرى، وإن كانت تظن أنها تستخدم ذلك في مفاوضاتها الطويلة والمضنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، فهي مخطئة بحق، لأن عملها هذا غير القانوني وغير المنطقي سيجر عليها ويلات كثيرة تكون به أضعف مما لو كانت من دونه، ولكن يقول المتنبي في بيت آخر من ذات القصيدة:
ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ
وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ
لقد شقي الشعب الإيراني بجهالة من يتخذ القرار السياسي، وليس بعقل الشعب، وكأنه يعكس المعنى الذي رمى إليه الشاعر، فالشعب الإيرانية البالغ أكثر من تسعين مليون نسمه، يعيش معظمه في وضع اقتصادي وأمني صعب جداً، ولا يرى بعد في الأفق ما يجعله يأمل في حياة أفضل على الأقل في الوقت الحاضر وما قبله منذ قيام الثورة الإيرانية، الشعب الإيراني يرنو إلى ان يعيش حياة مطمئنة مثل سائر شعوب الكرة الأرضية، فقد سئم صعوبة الحال وانحسار الأمل، ولكن لابد للغيم أن ينجلي في يوم من الأيام، إيران غنية في الطاقة والمعادن والمواد الأولية والرجال، ويمكنها النهوض متى ما أصبحت الظروف مناسبة.
وفي بيت آخر من أبيات القصيدة يقول المتنبي:
وَمِنَ البَليَّةِ عَذلُ مَن لا يَرعَوي
عَن غَيِّهِ وَخِطابُ مَن لا يَفهَمُ
والنصائح لإيران تهطل تترا عليها كالمطر من كل جانب، لعلها ترجع إلى الصواب، وتعود إلى العقل والمنطق، لكن بعض القيادات هناك تأبى إلا أن تسير على نفس النهج التي سارت عليه منذ قيام الثورة، وهذا الصنف المحدود من القيادة هو الذي ينطبق عليه قول الشاعر في البيت المذكور أعلاه، والدول المجاورة لإيران وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ذات النفوذ القوي عالمياً تحلت بالصبر، وحاولت ومازالت تحاول مساعدة إيران بالخروج من مأزقها من خلال التوسط بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، التي تأخذ ماتقوله المملكة باهتمام بالغ.