عبدالكريم بن دهام الدهام
هناك عمرٌ يخشاه الناس أكثر مما يخشون المرض، ليس لأنه يحمل الألم، بل لأنه يحمل سؤالاً صامتاً: «وماذا بعد؟».
بعد ستين عاماً من الركض، يستيقظ الإنسان ذات صباح فلا يجد ساعةً يطاردها، ولا مديراً ينتظر توقيعه، ولا رسائل عمل تملأ هاتفه. فجأة، يكتشف أن الحياة التي اعتادها لعقود توقفت، بينما هو ما زال حياً. يتغير كل شيء بسرعة مذهلة.
الكرسي الذي كان يجلس عليه في مكتبه يشغله موظف جديد، والمواقف التي كانت تُحل بكلمة منه أصبحت تُناقش من دونه، وحتى الهاتف الذي كان لا يهدأ أصبح أكثر هدوءاً من أي وقت مضى. وليس المؤلم أن الوظيفة انتهت، بل أن بعض الناس يظنون أن قيمة الإنسان انتهت معها، كان بالأمس يُسأل عن القرار، واليوم يُسأل عن موعد المستشفى، كان يحمل هموم الأسرة، واليوم أصبحت الأسرة تحمل ملفه الطبي، وكأن العمر الطويل اختُصر في أرقام ضغط الدم، ونسبة السكر، ومواعيد العيادات.
لكن الحقيقة ليست هنا، المشكلة ليست في الستين، المشكلة في أننا ربطنا قيمة الإنسان بما ينتجه، لا بما يمثله، نحن مجتمع يتقن الاحتفاء بالبدايات، لكنه لا يجيد صناعة المراحل الأخيرة من العمر. نعلم أبناءنا كيف يدخلون الجامعة. وكيف يتزوجون. وكيف يشترون منزلاً. لكننا لا نعلمهم كيف يعيشون بعد التقاعد. كأن الستين نقطة نهاية في كتاب الحياة، بينما هي في الحقيقة بداية فصل مختلف يحتاج إلى إعداد مختلف. كم من رجلٍ قضى أربعين عاماً يبني بيتاً، معتقداً أنه يبني مستقبله؟ ثم يكتشف أن البيت ليس مستقبلاً، بل مجرد جدران. إذا لم يبنِ معها مشروعاً، أو معرفة، أو أثراً، أو دخلاً، أو علاقات، فإن الجدران وحدها لا تحمي من الفراغ.
وكم من موظف ظن أن بطاقته الوظيفية هي هويته؟ فلما سُلِبت منه، وقف أمام المرآة يسأل نفسه لأول مرة: «من أنا بعيداً عن الوظيفة؟».
السؤال الحقيقي ليس: متى سأتقاعد؟ بل: لماذا سأتقاعد؟ هل سأتقاعد من العطاء؟ من التعلم؟ من التأثير؟ من صناعة الحياة؟ أم سأتقاعد من وظيفة فقط؟
إن أخطر أنواع الفقر بعد الستين ليس فقر المال، بل فقر الهدف. حين يصبح اليوم نسخة مطابقة للأمس. وحين يتحول الإنسان إلى مجرد مواعيد علاج، ونشرات أخبار، وساعات انتظار، المؤلم أيضاً أننا كثيراً ما نردد أن كبار السن «بركة»، لكن البركة لا تكون شعاراً يُقال في المناسبات. البركة تعني أن يكون لهم مكان في القرار، وصوت يُسمع، وخبرة تُستثمر، وأحفاد يجلسون إليهم لا لأنهم مجبرون، بل لأنهم يجدون عندهم ما لا يوجد في الشاشات. البركة أن يشعر الإنسان، وهو في السبعين أو الثمانين، أنه ما زال يضيف للحياة، لا ينتظر نهايتها.
ولذلك فإن مسؤولية هذه المرحلة لا تقع على المجتمع وحده. بل تبدأ من الإنسان نفسه. من الأربعين، حين يؤسس مصدر دخل لا يعتمد على راتبه فقط، وحين يعتني بصحته كما يعتني بحسابه البنكي، وحين يبني هواية، أو علماً، أو مشروعاً، أو رسالة، يستطيع أن يعيش بها بعد أن يطوي آخر صفحة في حياته الوظيفية.
ومن الخمسين، حين يبدأ بالتخفف من فكرة أن المنصب هو القيمة، ومن الستين، حين يرفض أن يعيش دور الضحية، ويقرر أن يكون صاحب أثر، ولو بكلمة، أو مجلس علم، أو عمل تطوعي، أو مشروع صغير، أو تجربة يورثها للأجيال.
أما الأبناء، فليتذكروا أن الرجل الذي يأخذونه إلى المستشفى اليوم، هو نفسه الذي كان يسهر على أسرتهم حين كانت الحمى تزورهم أطفالاً. واليد التي ترتجف وهي توقع على ورقة الدواء، هي اليد نفسها التي أمسكت بأيديهم وهم يتعلمون المشي، الوفاء لا يكون بعد الوفاة. ولا يبدأ عند توزيع الميراث. ولا ينتهي عند إقامة العزاء. الوفاء الحقيقي هو الوقت الذي نقضيه معهم وهم أحياء. هو الإصغاء قبل أن يصمتوا إلى الأبد. هو السؤال عنهم قبل أن نسأل عن تركتهم.
فالإنسان لا يحتاج في آخر عمره إلى منزل أكبر، ولا إلى رصيد أعلى، بقدر حاجته إلى أن يشعر أنه ما زال مهماً في حياة من يحب.
إن الستين ليست إعلاناً لاقتراب النهاية. بل امتحانٌ جديد. إما أن يدخل الإنسان هذه المرحلة وهو يحمل رسالة، فيزداد أثره كلما تقدم عمره، وإما أن يدخلها وهو يحمل فراغاً، فيصبح الزمن أثقل من أن يُحتمل.
فالسنوات لا تُقاس بعددها، بل بما يبقى منها في الناس بعد أن تمضي. وربما كانت أعظم خسارة أن يموت الإنسان بعد عمر طويل، وقد انتهى أثره قبل أن يتوقف قلبه.
وأعظم نجاح أن يبلغ الثمانين، وما زال أحدهم يقول: «وجوده في حياتنا نعمة، لأنه ما زال يصنع الفرق».