نجلاء العتيبي
هل لديكم أصدقاء حقيقيون؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، إلا أن الإجابة عنه تكشف ما هو أعمق من عدد الأسماء المخزنة في الهاتف، أو كثرة اللقاءات والرسائل؛ فالصداقة ليست حضورًا دائمًا، ولا تواصلًا متصلًا، وإنما علاقة تستقر في النفوس حتى يصبح الود خلقًا ثابتًا لا يتبدل بتغير الأيام؛ إنها مساحة آمنة يجد فيها الإنسان نفسه كما هي دون حاجة إلى التكلف أو الخوف من أن يساء فهمه. كثير من العلاقات تبدأ بسهولة؛ يجمعها التقارب في المكان، أو تشابه الاهتمامات، أو كثرة اللقاء، فتتولد الألفة سريعًا، ويظن الطرفان أنهما بلغا صداقة راسخة، غير أن الألفة لا تكفي وحدها، كما أن كثرة التواصل لا تعني عمق المعرفة، ومع مرور الوقت تتباعد الطرق بهدوءٍ، لا بسبب خلاف، وإنما لأن الرابط الذي جمعهما لم يكن أعمق من ظرف التقائهما، فعندها يدرك الإنسان أن بعض العلاقات اقتربت في المسافة، ولم تمتد في المعنى. ولهذا لا يقاس صدق العلاقة بطول السنين، ولا بما يجمعه الطرفان من ذكريات، فقد يعيش الإنسان أعوامًا مع أشخاص يعرف تفاصيل أيامهم، ثم يكتشف عند أول اختبار أنهم لا يعرفون حقيقة قلبه، ولا يفهمون طريقته في التفكير، ولا يحسنون قراءة صمته، وفي المقابل قد يجد من يدرك متى يقترب، ومتى يصمت، ومتى يترك لصاحبه مساحة يستعيد فيها اتزانه، دون أن يفسر ذلك جفاءً أو تغيرًا. ومن أوضح ما يكشف قيمة هذه الرابطة قدرتها على الثبات أمام تغير الأيام؛ فالعلاقة التي تضعف مع أول اختلاف، أو تخفت مع أول انشغالٍ، لم تترسخ بعد. أما إذا قامت على معرفة عميقة واحترام متبادل، فإنها لا تنتظر مناسبة لتستمر، ولا تعتمد على منفعة تحفظها؛ لأن أصلها أبقى من الظروف؛ لهذا لا تحتاج إلى حضور دائم حتى يطمئن أصحابها إليها، فلا تربكها فترات الانشغال، ولا تجعل من قلة التواصل ميزانًا للمودة؛ لأن ما رسخ في النفوس يظل ثابتًا مهما تباعدت المسافات أو تغيرت إيقاعات الحياة.
ومن أجمل ما يميزها أنها تتسع لتغير الإنسان، لا تحاسبه لأنه نضج، ولا تضيق لأن أولوياته تبدلت، ولا تحاول أن تعيده إلى صورة قديمة اعتادتها، إنها تفرح بتقدمه، وتنصحه إذا أخطأ، وتحفظ سمعته في غيابه كما تحفظ مكانته في حضوره، وإذا وقع الاختلاف بقي في حدود الرأي، ولم يمتد إلى التقليل من قدر الإنسان أو محو ما جمعته الأيام.
في النهاية، لا يبحث الإنسان عن رفيق يشاركه كل خطوةٍ، وإنما عن شخص يظل وفيًا حين تتغير الظروف، ويصدق في النصح كما يصدق في الفرح، ويحفظ الود حين تغيب المصلحة؛ فمثل هذه العلاقة لا يصنعها الزمن وحده، وإنما تبنيها الأخلاق، وتؤكدها المواقف الصغيرة التي تتكرر بهدوء حتى تغدو يقينًا يطمئن إليه القلب.
ضوء:
«أجمل ما في الحياة صديق تحكي له ما تشاء».
- شكسبير