«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم يبدأ تاريخ الذهب في الجزيرة العربية مع القوافل والأسواق، بل مع مدنٍ نشأت حوله، وجعلت من التعدين ركيزةً للاقتصاد والعمران. وفي قلب محافظة الدوادمي بمنطقة الرياض، يكشف موقع حلِّيت الأثري أن الذهب لم يكن مجرد معدن نفيس يُستخرج من باطن الأرض، بل كان القوة التي صنعت مجتمعًا متكاملًا ازدهر قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، وضم مسجدًا جامعًا، وأسواقًا، وورشًا للصناعة، ووحدات سكنية، في واحدة من أقدم مستوطنات التعدين الإسلامية في الجزيرة العربية.
وأعلنت هيئة التراث انتهاء أعمال الموسم الرابع من مشروع التنقيب بالموقع، كاشفةً عن شواهد أثرية جديدة تعزز مكانته بوصفه أحد أقدم مناجم الذهب في الجزيرة العربية، وتوثق جوانب مهمة من تاريخ التعدين والتجارة والاستقرار البشري خلال العصر الأموي وبدايات العصر العباسي، في اكتشاف يعيد قراءة تاريخ الاقتصاد في الجزيرة العربية من منظور الإنتاج والصناعة، وليس من منظور التجارة وحدها.
ويحمل الموقع أهمية تاريخية استثنائية؛ إذ ورد في المصادر الإسلامية المبكرة باسم «معدن النجادي» نسبة إلى أبناء نجاد بن موسى بن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، واحتل مكانة بارزة بين أشهر مناجم الذهب في العصرين الأموي والعباسي. كما وصفه المؤرخ الهجري بأنه من أغزر المناجم إنتاجًا، حتى أدى تدفق الذهب منه إلى انخفاض أسعاره في العراق والحجاز، قبل أن يتراجع نشاطه بسبب غلبة المياه على المنجم، وهي روايات تؤكدها اليوم الشواهد الأثرية والنتائج العلمية التي خرجت بها مواسم التنقيب.
ولم تكشف الحفريات عن منجم فحسب، بل عن مدينة اقتصادية متكاملة ذات بنية تحتية متقدمة، تتوسطها سوق ومسجد جامع شُيّد على طراز المساجد الإسلامية المبكرة، وتحيط به الوحدات السكنية وورش الإنتاج، في تخطيط عمراني يعكس وجود مجتمع مستقر اتخذ من التعدين نشاطه الاقتصادي الرئيس، مدعومًا بمنظومة متكاملة من التجارة والخدمات.
وأسفرت أعمال الموسم الرابع عن الكشف عن 18 وحدة معمارية، إلى جانب وزنة حجرية نُقش عليها مقدار «رطل»، بما يؤكد استخدام نظام دقيق للأوزان والمقاييس في المعاملات التجارية. كما عُثر على حلي وأدوات للزينة، وبقايا أوانٍ فخارية وحجرية وزجاجية، إضافة إلى خرز وأصداف ومكاييل زجاجية، وهي معثورات لا توثق النشاط الاقتصادي فحسب، بل ترسم صورة متكاملة للحياة اليومية داخل المستوطنة، وتعكس مستوى الازدهار الاقتصادي والاجتماعي الذي بلغته.
وكشفت الحفريات كذلك عن منظومة صناعية متكاملة شملت أفرانًا لصهر الخام، وأحواضًا لغسل المعادن، وأعدادًا كبيرة من الرحى الحجرية والمدقات المستخدمة في طحن الصخور واستخلاص الذهب، فيما أظهرت الأفران المتجاورة تسلسلًا واضحًا لمراحل الإنتاج، في صورة تتطابق مع ما وصفته المصادر الإسلامية المبكرة لعمليات التعدين واستخراج الذهب ومعالجته، بما يعكس مستوى متقدمًا من المعرفة التقنية في ذلك العصر.
ولم تقتصر المكتشفات على المنشآت الصناعية، بل شملت عملة أموية مؤرخة بسنة 85هـ، ومثقال وزن يحمل كتابة عربية مبكرة، إلى جانب مجموعة من النقوش والكتابات الإسلامية التي وثقتها البعثات الأثرية في محيط الموقع، وأثبتت الدراسات تطابقها مع نتائج التحاليل العلمية التي أُجريت خلال المواسم السابقة. كما أظهرت دراسة اللقى الفخارية أن معظمها يعود إلى العصر الأموي وبدايات العصر العباسي، بما يعزز التأريخ العلمي للموقع، ويؤكد استمرارية الاستيطان والنشاط الاقتصادي فيه عبر مراحل تاريخية متعاقبة.
ويقع موقع حلِّيت عند سفح الجبل الجنوبي في محافظة الدوادمي، وهو جبل اشتهر منذ القدم بكثرة معادنه وآثار التعدين المنتشرة فيه. ولا تزال خنادق استخراج الذهب، التي يتجاوز عمق بعضها عشرين مترًا، شاهدة على حجم الجهد الهندسي الذي بذله المعدنون، فيما تنتشر رُكام أفران التعدين ومخلفات معالجة الخام في أنحاء الموقع، في دلالة على أن استخراج الذهب لم يكن عملية بسيطة، بل صناعة معقدة تطلبت خبرات فنية وجهودًا كبيرة لاستخلاص المعدن النفيس.
وتعود أولى الدراسات الأثرية المنظمة في الموقع إلى عام 1401هـ ضمن مشروع مسح وسط المملكة، حيث سُجلت آنذاك آثار التعدين، وانتشار كسر الأواني الفخارية والزجاجية، وكثرة الرحى والمدقات الحجرية المستخدمة في عمليات التعدين، قبل أن تكشف مواسم التنقيب اللاحقة تدريجيًا عن التخطيط العمراني الكامل للمستوطنة، بما يضم المسجد الجامع، والأسواق، والوحدات السكنية، ومرافق صهر المعادن ومعالجتها، وهو ما يبرز الدور الحضاري الذي أداه الموقع خلال الفترة الأموية.
ويأتي مشروع التنقيب ضمن جهود هيئة التراث للكشف عن المواقع الأثرية وتوثيقها والمحافظة عليها، وإبراز العمق الحضاري للمملكة عبر مختلف العصور. وتؤكد نتائجه أن حلِّيت لم يكن مجرد منجم تاريخي، بل مدينة اقتصادية متكاملة نشأت حول الذهب، وتحولت فيها الثروة الطبيعية إلى عمران وإنتاج وتجارة، لتقدم نموذجًا نادرًا لازدهار المجتمعات التعدينية في صدر الإسلام، وتضيف صفحة جديدة إلى سجل المملكة الحضاري، بوصفها إحدى أهم البيئات التي حفظت تاريخ التعدين في الجزيرة العربية، وشاهدًا حيًا على عمق الإرث الاقتصادي والثقافي للمملكة. برأيي، هذه النسخة هي الأقوى حتى الآن؛ لأنها احتفظت بجميع المعلومات الجوهرية، وأزالت التكرار، وربطت الفقرات بسلاسة، ورفعت المستوى البلاغي دون أن تفقد أسلوب التقرير الصحفي. إنها أقرب إلى مستوى المواد المنشورة في الصفحات الثقافية والتحقيقات الخاصة في الصحف الكبرى.