إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في تضاريس الذاكرة السعودية لا يمثل «البيت» مجرد هيكل إسمنتي أو مساحة جغرافية تحدها الجدران إنما هو المهد الأول للأحلام ومختبر الهوية الذي تتقاطع فيه تفاصيلنا اليومية الصغيرة مع ملامح التحولات الوطنية الكبرى، إن البيت هو الحاضن الأول للوعي حيث تبدأ حكاية الانتماء وتتشكل ملامح الذات في مرآة الأمكنة التي ترعرعنا في ظلالها. ومن قلب مدينة الظهران يفتح مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) أبواب هذه الذاكرة على مصراعيها من خلال معرضه الفني «صدى المألوف» الذي لا يقدم مجرد استعراض فني بل يقودنا في رحلة سردية بصرية تغوص في عمق الوجدان محولاً مفردات الحياة المنزلية السعودية في القرن العشرين إلى لغة بصرية معاصرة تحاكي الحواس وتوقظ الحنين.
سيمفونية المكان والذاكرة
بمجرد عبور عتبة المعرض يدرك الزائر أنه أمام رحلة سردية متقنة التنظيم حيث تلاشى الخط الفاصل بين المعرض والملاذ الشخصي، صُمم «صدى المألوف» ليعيد رسم ملامح البيت السعودي التقليدي مقتفياً أثر التفاصيل التي شكلت ملامح حياتنا من المَخرج الذي يمثل عتبة الانطلاق نحو العالم إلى المَدخل الذي يشهد على طقوس الاستقبال والكرم مروراً بغرفة المعيشة التي كانت وما زالت ساحة الحكايات والمطبخ الذي يفوح برائحة الذكريات، وصولاً إلى صالة الناس والذكريات.
وفي هذا السياق تؤكد فرح أبو شليح، رئيسة متحف إثراء على فلسفة المعرض قائلة: «يعكس معرض صدى المألوف دور إثراء في توفير الدعم للفنانين السعوديين وتوثيق التغيير الثقافي الذي تشهده المملكة في العصر الحالي. فمن خلال هذا المعرض، نسلط الضوء على البيت باعتباره أصل الذاكرة والتواصل، من خلال أعمال مختلفة استلهمت موضوعاتها من الحياة اليومية للسعوديين، بالإضافة إلى مواصلة رسالة المركز الهادفة إلى تعريف الجمهور بتراثنا العريق في صورة أنشطة إبداعية ملهمة وحيوية تثير الاهتمام والتفاعل من جانب مختلف فئات المجتمع».
إن التنظيم الذي أدارته القيّمة الفنية السعودية المبدعة غيداء المقرن لهذه المساحات يتجاوز الترتيب الجمالي المتعارف عليه، ليصبح قراءة أنثروبولوجية للبصمة الاجتماعية التي تركتها حياة البيت على التعبير الثقافي في المملكة، وبدورها تصف غيداء المقرن المعرض بقولها: «إن البيت هو مهد أحلامنا الأولى الذي يحتضن خصوصيتنا وتطلعاتنا واستكشاف ذواتنا. ففي معرض صدى المألوف تتلاقى ألعاب الطفولة مع تذكار الثقافة الشعبية الذي يوحي مظهرها بأنها أشياء عادية لكن باطنها يحوي عالمًا كاملًا، إن الأعمال المعاصرة التي تتناول هذه المساحات من الذاكرة تستحضر موضوعات مثل العزلة والهوية والنشأة ضمن بيئة أمة تسير على طريق التطور، فمن خلال مواد متعددة الطبقات والأضواء الخافتة يستحضر الفنانون الذاكرة في صورة مشاعر وليس باعتبارها تاريخًا أو كما يقول الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتى أن بيئة الإنسان تشكل وعيه بذاته».
عندما تتحول «الأشياء» إلى شواهد
يضم المعرض في أروقته 28 عملاً فنياً، 17 منها تكليفات جديدة أُطلقت خصيصاً لهذا المعرض بمشاركة أكثر من 25 فناناً وفنانة سعودية. في هذه المساحات تتقابل ألعاب الطفولة مع تذكارات الثقافة الشعبية وتتحول المقتنيات البسيطة -التي قد يمر عليها الرائي مرور الكرام في صخب الحياة اليومية- إلى قطع فنية تفيض بالمعنى.
إن هذه الأعمال لا تكتفي بتمثيل «البيت» كمكان للعيش لكنها تدرسه كفضاء للذاكرة حيث العزلة والنشأة والتطلعات. يستحضر الفنانون الذاكرة هنا كـ «شعور» وليس كـ «تاريخ مسجل». وبالمزج بين المواد متعددة الطبقات والأضواء الخافتة والوسائط الرقمية تنجح الأعمال في خلق بيئة بصرية تتجاوز حدود الجماليات البصرية إلى تجربة حسية شاملة تلامس الحواس الخمس للإنسان.
وفي هذا السياق، تتجلى الدلالات الثقافية والفنية للمعرض من خلال استحضار عناصر البيت السعودي وتوظيفها كرموز تعبيرية إذ تمثل المجالس مركزاً حيوياً للحوار والكرم والطقوس العائلية اليومية وتُعد رمزاً لخصوصية الاجتماع السعودي كما تبرز الموائد كرمز للترابط الاجتماعي ووسيلة لتوثيق العادات الغذائية والطقوس التي تجمع شمل العائلة. أما المداخل والمخارج فهي تشكل عتبات انتقال فلسفي واجتماعي تعكس التفاعل بين خصوصية البيت والانفتاح على العالم الخارجي ويأتي حضور ألعاب الطفولة كرمز للبراءة والنشأة ومحاولة فنية لاستعادة دهشة البدايات الأولى ضمن سياق تطور الأمة.
إثراء ونهضة الفن التشكيلي السعودي
لا يمكن فصل هذا المعرض عن السياق الوطني الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية في نهضة الفن التشكيلي المعاصر. فالمملكة اليوم تمر بمرحلة مفصلية حيث يتم تفعيل دور المؤسسات الثقافية لتعزيز الحوار بين الفنان والجمهور، يمثل معرض «صدى المألوف» امتداداً لمسيرة «إثراء» -مبادرة أرامكو السعودية للمواطنة- في دعم الفنانين السعوديين، وتوفير المنصات التي تتيح لهم مواكبة التطور العالمي مع الحفاظ على خصوصية التراث المحلي.
إن الاستثمار في 17 تكليفاً فنياً جديداً ليس مجرد دعم لوجستي بل هو رهان على الإبداع السعودي كقوة ناعمة قادرة على نقل الذاكرة الجماعية إلى قوالب عالمية، إن هذه المبادرات تساهم بفاعلية في ترسيخ دور الفنان كـ«مؤرخ» و»صانع للوعي» مما يعزز من حضور المملكة على الخارطة الثقافية العالمية، إن إثراء بكونه منارة ثقافية عالمية يدرك أن الفن هو العمود الفقري لأي نهضة تنموية شاملة تستوعب التاريخ وتستشرف آفاق المستقبل.
نحو مستقبل أكثر ازدهاراً
في الختام، يظل معرض «صدى المألوف» تجربة تتجاوز مجرد الاستعراض الفني فهي دعوة للتأمل في هويتنا التي تتشكل في زوايا بيوتنا وتتجلى في طقوسنا البسيطة، نجاح مركز «إثراء» في جمع الحنين بالابتكار يفتح الآفاق أمام أجيال جديدة من الفنانين للمضي قدماً في توثيق الحكاية السعودية بأسلوب يجمع بين عراقة الماضي وطموح المستقبل. إننا أمام مشهد فني ناضج يعكس إيماناً بأن الثقافة ليست مجرد رفاهية لكنها الأساس الذي نبني عليه مستقبلنا المشرق في ظل حركة تنموية شاملة تستوعب التاريخ وتستشرف آفاق الفن المعاصر بكل ثقة وعنفوان. «صدى المألوف» هو دعوة لكل مواطن ومقيم ليعيد اكتشاف «بيته» بعيون فنان وليدرك أن كل زاوية في حياتنا هي قصيدة بصرية لم تُكتب بعد وكل لحظة حنين هي بذور لإبداع مستقبلي ينتظر من يرويه. إن هذا المعرض هو شهادة حية على أن الفن في السعودية لم يعد يبحث عن هويته بل بات هو الذي يشكلها ويحدد ملامحها للعالم بأسره.
** **
X: AL_KHAFAJII