«الجزيرة» - عبدالمطلوب مبارك البدراني:
بين الحرمين الشريفين، وعلى بعد 140 كيلومتراً جنوب المدينة المنورة، تتربع محافظة وادي الفرع كواحدة من أعرق المناطق التاريخية والزراعية في الجزيرة العربية. هذا الوادي الذي يمتد تاريخه المشرف لآلاف السنين، ليس مجرد جغرافيا تمر بها الطرق، بل هو إرث حضاري نابض بالحياة، يجمع بين مجد الحاضر وعراقة الماضي.
تؤكد الروايات التاريخية مكانة الوادي القديمة؛ فهو القرية التي «مارت» ونقلت التمر إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم وأمه هاجر -عليهما السلام- وهما في مكة المكرمة، مما يثبت دور هذا الوادي كمصدر للأمن الغذائي منذ الأزل.
وقد حظي الوادي باهتمام كبار مؤرخي المملكة وأعلامها الذين اجتهدوا في إبراز تاريخه، ومنهم:
- المؤرخ الدكتور فايز البدراني.
- الأستاذ الأديب المؤرخ محمد صالح البليهشي.
- المؤرخ عاتق بن غيث البلادي.
وقد اشتهر وادي الفرع قديماً باسم «وادي النخل» لكثافة نخيله، وكان يضم أكثر من 45 عيناً جارية. ورغم اندثار بعضها، إلا أن أمطار الخير والسيول تعيد إحياءها، فيما تفخر المنطقة بعيونها المستمرة كـ «عين قرية المضيق» الشهيرة.
عين المضيق: عين ثجّاجة يقصدها السياح والزوار من كل فج وصوب، للاستمتاع بجريان مياهها عبر المضيق، ومزارعها الخضراء النضرة، وجبالها الشاهقة المحيطة.
عُرِفت قرية المضيق بوفرة زوارها صيفاً منذ القدم لشراء التمور، ولا سيما تمر «المشوك» الشهير. ويتميز أهالي الوادي بطريقتهم الخاصة والتقليدية في قطف التمور وتعبئتها فيما يُعرف بـ «المجاليد»، والتي تُصدّر إلى كافة مناطق المملكة كعلامة جودة مسجلة باسم الوادي.
وتزخر المنطقة بمعالم أثرية وتاريخية تقف شاهداً على العصور الإسلامية الأولى، ومن أبرزها:
- مسجد البرود: المسجد الأثري الذي صلى به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا زالت آثاره باقية وشامخة في أسفل الجبل وأعلاه.
- المنازل الطينية القديمة: حارات ومبانٍ أثرية في قرى الوادي (مثل حواري أبو ضباع)، كانت ملاذاً للآباء والأجداد، تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء القارس، وتحتاج اليوم إلى عين الرعاية والترميم.
وتتوزع في وادي الفرع قرى عريقة ووجوه طبيعية ساحرة زارها المؤرخون ورصدوا قيمتها، ومنها:
- القرى الأثرية: قرية السدر، قرية الفقير، قرية اليسيرة، وقرية «أم العيال» (والتي يُقال إنها سبيل سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء رضي الله عنها).
- المعالم والمنتزهات الطبيعية:
- جبل قُدس (ادقس): الجبل المهيب الذي يعشقه الزوار.
- منتزه السدة: الواقع جنوب شرق جبل «إره».
- منتزه خضرة القديم: ذو الشهرة الواسعة.
- مناطق الجذب الأخرى: حنذ، الأكحل، وادي الحفن، الفقيّر، المقيطع، ومنتزه الفيفا المحاذي لطريق الهجرة.
وفي هذا العهد الزاهر للمملكة العربية السعودية، حظيت محافظة وادي الفرع بوجود معظم الدوائر الحكومية والخدمات الأساسية ذات العلاقة المباشرة بالمواطن. إلا أن الطبيعة الزراعية الفريدة للمنطقة، ووفرة محاصيلها، بجانب قيمتها السياحية والأثرية المهملة، تجعلها في حاجة ماسة إلى:
1 - التفاتة سياحية واستثمارية: تحويل القرى الأثرية (كالمضيق وأبو ضباع) إلى وجهات سياحية وتراثية منظمة ضمن رؤية السعودية 2030.
2 - تطوير الخدمات والمرافق: دعم المنتزهات الطبيعية بالجلسات والخدمات التي تخدم الزوار.
3 - الاهتمام بالمزارعين: تقديم تسهيلات أوسع لدعم الإنتاج الزراعي الفريد للوادي وتطوير قنوات تسويقه.
إنها دعوة يرفعها أهالي ومحبو وادي الفرع إلى إمارة منطقة المدينة المنورة والمسؤولين في المحافظة لفض الغبار عن هذا الكنز السياحي والتاريخي الثمين، ليأخذ مكانته المستحقة على خارطة السياحة السعودية.