د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
الماء نعمةٌ امتنَّ الله بها على عباده، وهو في الوقت نفسه أحد أهم الموارد الإستراتيجية التي تقوم عليها الحياة والتنمية واستدامة الاقتصاد. وفي المملكة العربية السعودية، حيث تتسارع مشروعات التنمية وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030، تزداد أهمية ترسيخ ثقافة الوعي المائي، بوصفها مسؤولية وطنية تسهم في حماية الموارد الطبيعية، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز الاستدامة.
تعتمد المملكة بدرجة كبيرة على المياه المحلاة لتلبية احتياجات السكان والقطاعات التنموية؛ إذ تشير بيانات المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة إلى أن التحلية توفر نحو سبعين بالمائة من مياه الشرب البلدية في المملكة، بطاقة إنتاجية تتجاوز أحد عشر مليون متر مكعب يوميًا، ما يجعل السعودية أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم. بل إن مدينة الرياض ذاتها، رغم بعدها عن السواحل، تُزوَّد بالمياه المحلاة التي تُضخ من الخليج العربي عبر مسافة تتجاوز أربعمائة وستين كيلومترًا. وإنتاج هذه المياه يمر بمراحل تقنية متقدمة تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة، واستهلاكًا للطاقة، وتكاليف تشغيل وصيانة ونقل مرتفعة. ولذلك فإن ترشيد الاستهلاك ممارسة حضارية قبل أن يكون وسيلة لخفض قيمة الفاتورة، وهو في جوهره امتثال لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي نهى عن الإسراف في الماء ولو كان المرء على نهر جارٍ.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة لضمان أمن الإمدادات المائية، لا تزال بعض مظاهر الهدر تتكرر في الحياة اليومية؛ كترك صنابير المياه مفتوحة دون حاجة، والإفراط في ري الحدائق، وإهمال إصلاح التسريبات المنزلية، والتي قد تهدر كميات كبيرة من المياه يوميًا دون أن يشعر بها كثيرون، وهو ما ينعكس ارتفاعًا ملموسًا في قيمة الفاتورة قد يفوق التوقعات.
ومن الجوانب التي تستحق مزيدًا من العناية التوسع في استخدام المياه المعالجة - حيثما كان ذلك مناسبًا - في ري الحدائق والمسطحات الخضراء، وغسل الساحات والممرات، بدلًا من استخدام المياه المحلاة عالية التكلفة. كما أن الاعتماد على أنظمة الري الحديثة، وفي مقدمتها الري بالتنقيط، يسهم في رفع كفاءة الاستخدام وتقليل الفاقد، في حين تساعد أدوات الترشيد والعدادات الذكية على متابعة الاستهلاك واكتشاف التسربات مبكرًا.
ومن المهم إدراك أن المحافظة على المياه ترتبط كذلك بكفاءة استخدام الطاقة؛ فكل لتر من المياه المحلاة يستهلك قدرًا من الطاقة في عمليات الإنتاج والنقل والتوزيع، ومن ثم فإن ترشيد الاستهلاك يسهم بصورة غير مباشرة في رفع كفاءة الطاقة، وخفض التكاليف التشغيلية، ودعم مستهدفات الاستدامة البيئية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، تؤدي الهيئة السعودية للمياه وشركة المياه الوطنية أدوارًا مهمة في تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الشبكات، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة، ونشر العدادات الذكية، إلى جانب تنفيذ برامج توعوية تعزز ثقافة المحافظة على المياه، وتدعم الأمن المائي للمملكة.
إن حماية ثروة الماء مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي الفرد داخل منزله، وتمتد إلى الأسرة، والمؤسسات، والمجتمع بأسره، فالمحافظة على الماء ليست استجابة لارتفاع الفاتورة فحسب، بل هي التزام ديني ووطني وحضاري، واستثمار في أمن المملكة المائي، وإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وحقٌ ينبغي أن نصونه للأجيال القادمة.إن الانتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة الكفاءة هو الطريق الأمثل للحفاظ على هذا المورد الثمين؛ فبين الهدر والوعي تتحدد قدرتنا على بناء مستقبل أكثر استدامة، واقتصاد أكثر كفاءة، ومجتمع أكثر إدراكًا لقيمة النعم التي أنعم الله بها علينا.