مهدي العبار العنزي
إن النعم التي تتقلب فيها المجتمعات البشرية -من أمن وأمان، وصحة في الأبدان، ورغد في العيش والرزق- ليست مجرد مكاسب ذاتية أو حقوق دائمة، بل هي ودائع إلهية وعطايا ربانية اشترط واهبها سبحانه لحفظها شرطاً واحداً لا حيدة عنه: «الشكر بالقلب واللسان والجوارح».
ويعتبر احترام النعمة صمام الأمان الذي يضمن استقرار المجتمعات، بينما يمثِّل التبذير والإسراف أولى خطوات التخلّي عن هذه النعم، وبداية الانحدار نحو الفقر والحاجة. فالنعمة إذا شُكرت قرَّت وبقيت، وإذا كُفرت فرَّت وزالت.
ولقد جاء الدين الإسلامي بمنهج وسطٍ وعادل، يوازن بين الاستمتاع بالطيِّبات وبين الحفاظ عليها من الهدر والامتهان، وحذَّر أشد التحذير من العبث بقوت الناس وخيرات الأرض.
في كتاب الله تعالى: اختصر القرآن الكريم ثقافة الاستهلاك الرشيد في نهي حاسم جامع: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: 31]. كما شبَّه المبذرين بأبشع تشبيه لبيان مدى قبح هذا السلوك ونفور النفس منه، فقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء: 27].
في السنة النبوية المطهرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظِّم النعمة وإن صغرت، ويغرس في نفوس أصحابه توقيرها؛ حيث رأى يوماً كسرة خبز ملقاة فأخذها وقال محذِّراً: «أحسِني جِوارَ نِعَمِ اللهِ تَعالَى؛ فإنَّها قَلَّ مَّا نَفَرَتْ مِن أهلِ بَيتٍ فكادَتْ تَرْجِعُ إليهِم» [رواه ابن ماجه].
إن سنّة الله الكونية ثابتة لا تحابي أحداً؛ فكم من مجتمعات أهلكها ترفها، وكم من أمم تبدّل حالها من رغد العيش إلى شظفه بسبب البطر ومظاهر البهرجة الجوفاء في الحفلات والمناسبات. إن إلقاء الأطعمة الصالحة في النفايات والمباهاة بكثرة الموائد ليس مجرد هدر مالي، بل هو نذير شؤم يهدِّد الأمن الغذائي والاجتماعي.
وقد خلّد القرآن الكريم عاقبة من استخف بالنعم ولم يرعَ حقها في آية تهز الوجدان وتوقظ الغافل، حيث قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112]. فالجوع والخوف هما اللباس والجزاء المباشر لكل مجتمع أسرف وبذر واستعلى على نعم خالقه.
ولقد كان سلفنا الصالح يدركون أن شهوات النفس لا تنتهي، وأن ضبطها هو أساس حفظ النعم وصون كرامة الإنسان:
- كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يرى الرجل يشتري كل ما تطلبه نفسه فيزجره قائلاً: «أَوَكُلَّمَا اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ؟!».
- وقال الحسن البصري -رحمه الله- مبيناً حقيقة السلوك الاستهلاكي الخاطئ: «إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت».
- وجاء في الأمثال العربية كقاعدة ذهبية راسخة: «النعمة عروس، ومهرها الشكر».
إن حماية النعم وحفظها يتطلب تحويل المشاعر الإيمانية إلى سلوكيات تطبيقية في حياتنا اليومية عبر الخطوات التالية:
- الاستهلاك الذكي: شراء الاحتياجات الأساسية فقط بناءً على خطة واضحة، والابتعاد عن الشراء العشوائي لمجرد التفاخر.
- التربية بالقدوة: غرس قيمة «احترام النعمة» في نفوس الأبناء من خلال ممارسات الوالدين داخل المنزل، ليتعلَّم الجيل الجديد أن الوفرة لا تعني الإسراف.
إن احترام النعمة ونبذ التبذير ليس مجرد خيار اقتصادي أو سلوك اجتماعي، بل هو قضية عقائدية وأخلاقية تمس وجودنا واستقرارنا. وحينما يعي المجتمع خطورة الإسراف ويسعى إلى التوازن، فإنه يحمي نفسه من الأزمات ويضمن استدامة الخيرات للأجيال القادمة. فلنكن من الشاكرين الحافظين، حتى تدوم النعم وتنمو، ولنحذر من البطر حتى لا يحل بنا ما حل بغيرنا.