فاطمة آل مبارك
تُعد المدن الترفيهية من المرافق التي يقصدها الناس بحثاً عن المتعة وصناعة الذكريات، ويقوم نجاحها على عنصرٍ أساسي يتمثل في ثقة الزائر بأن جميع الألعاب تعمل وفق أعلى معايير السلامة لذلك، فإن أي حادث يقع داخل هذه المرافق لا يقتصر أثره على المصابين وذويهم، بل يمتد ليترك أثراً نفسياً عميقاً في المجتمع، ويزعزع شعور الأسر بالأمان.
ومع تكرار الحوادث مؤخراً، لم يعد مقبولاً التعامل مع كل واقعة كحدثٍ منعزل إذ إن تشابه تفاصيلها يستوجب قراءة استراتيجية تتجاوز حدود الحادثة الفردية. ويبرز ذلك عند مقارنة حادثة «الجبل الأخضر» التي أودت بحياة ضحى –رحمها الله– وأصابت شقيقتها بإصابات بالغة، والحادثة التي شهدتها أبها مؤخراً وأسفرت عن إصابة 23 شخصاً، حيث تشير المعطيات الأولية إلى تقاطعٍ في بعض الجوانب الفنية، وفي مقدمتها وقوع انهيارٍ مفاجئ في أحد مفاصل اللعبة. إن هذا التشابه ليس مجرد مصادفة، بل هو مؤشرٌ يستدعي وقفة فنية صارمة لاستخلاص الدلالات، والتحقق مما إذا كانت هذه الوقائع تعكس قصوراً فردياً أم خللاً هيكلياً يستوجب المراجعة.
وفي هذا الإطار، تبرز قضايا تستحق الوقوف عندها: هل تخضع الألعاب لفحوص هندسية مستقلة تُجرى بصورة دورية وفق معايير معتمدة؟ وهل تعتمد المنشآت برامج صيانة وقائية استباقية تحد من احتمالات الأعطال قبل وقوعها؟ وهل تُوثق الحالة الفنية والعمر التشغيلي لكل لعبة وأجزائها الرئيسة بسجلات دقيقة تضمن استبدال المكونات الحرجة قبل تجاوز حدودها الآمنة؟ كما تبرز أهمية التحقق من وجود رقابة مستقلة على أعمال الفحص والصيانة، بما يضمن الالتزام الفعلي بالمعايير، لا الاكتفاء باستيفاء متطلباتها على الورق.
إن السلامة لا تُقاس بعدد أيام التشغيل الخالية من الحوادث، بل بقدرة الأنظمة على فرض إجراءات تمنع تحول أي خلل فني إلى كارثة، كما يبرز جانب لا يقل أهمية، يتمثل في تأهيل الكوادر الفنية والمشغلين، فالمشغل لا يقتصر دوره على تشغيل اللعبة وإيقافها، بل يُعد أحد عناصر السلامة الأساسية، الأمر الذي يتطلب امتلاكه المعرفة الفنية الكافية لاكتشاف المؤشرات المبكرة لأي خلل، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
كما أن أعمال الصيانة لا تحقق أهدافها ما لم تقترن برقابةٍ فنية مستدامة، تتجاوز منح التراخيص لتشمل الجولات التفتيشية المفاجئة، والتدقيق الصارم في السجلات، وتقييم فاعلية الإجراءات التصحيحية لضمان استمرار الالتزام طوال فترة التشغيل.
إن عبارات «السلامة أولاً» المعلقة على المداخل لا قيمة لها ما لم تتحول إلى ممارسة مؤسسية صارمة من التصميم، والفحص والتشغيل، إلى سلامة الزائر حتى مغادرته المكان. وتبقى الشفافية أحد أهم عناصر بناء الثقة، فإعلان نتائج التحقيقات، وبيان الأسباب الفنية للحوادث بعد اكتمالها، والإفصاح عن الإجراءات التصحيحية التي تُتخذ في ضوء تلك النتائج، كلها خطوات تعزز ثقة المجتمع، وتمكّن المنشآت المماثلة من الاستفادة من الدروس المستخلصة.
صفوة القول: إن صون الأرواح مسؤولية مستمرة تُقاس بفاعلية الوقاية قبل وقوع الخطر، وبصرامة الرقابة أثناء التشغيل، وبالمحاسبة عند التقصير. وحين تتحول السلامة إلى ثقافة مؤسسية راسخة، وإلى التزامٍ نافذ، تستعيد المدن الترفيهية رسالتها الحقيقية بوصفها أماكن لصناعة الفرح والطمأنينة، ويصبح الأمن فيها حقاً أصيلاً لكل زائر.