يُعد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -يرحمه الله- من أبرز الشخصيات التي أسهمت في الحفاظ على الموروث التاريخي والحضاري المادي منه وغير المادي في المملكة العربية السعودية. إذ لم تقتصر جهوده على توحيد البلاد وبناء الدولة الحديثة، بل امتدت لتشمل ذاكرة الوطن وشواهده الحضارية. وكذا الأمر مع الموروثات الشعبية من عادات وتقاليد وأهازيج وفنون ورقصات أدائية وخلافه مما يدل على مدى عُمق إدراكه لأهمية التراث بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء الهوية الوطنية والحفاظ على إرث الوطن للأجيال القادمة.
وفي هذا المقال سنسلط الضوء على أبرز الشواهد التاريخية التي تدل على مدى حرص الملك عبد العزيز -يرحمه الله- في صون هذا التراث والحفاظ على موروثاته الحضارية.
أولاً: دور الملك عبد العزيز في صون التراث المادي:
من أبرز الشواهد التاريخية على اهتمام الملك عبد العزيز بالتراث العمراني محافظته على عدد من المباني والمواقع التاريخية التي ارتبطت بمراحل تأسيس الدولة، واتخاذ بعض تلك القصور والمباني مقرًا للإدارة والحكم، مع المحافظة على طابعها المعماري المحلي، الأمر الذي أسهم في بقائها حتى يومنا هذا شاهده على مراحل التطور والنمو المتسارع في ربوع المملكة العربية السعودية.
ومن أبرز القصور والمعالم التاريخية التي ارتبطت بعهد الملك عبد العزيز وأسهم في المحافظة عليها بما ساعد على بقائها شاهده على تاريخ المملكة:
1 - قصر المصمك: يُعد من أهم المعالم التاريخية في المملكة، إذ شهد استرداد الرياض عام 1319هـ/ 1902م وكان رمزًا لبداية الانطلاق لاستكمال توحيد البلاد، وقد حافظ الملك عبد العزيز - يرحمه الله- على القصر لما يمثله من قيمة تاريخية ووطنية كبيرة.
2 - بيت نصيف: أقام به الملك عبد العزيز بعد دخول الحجاز عام 1344هـ/ 1925م، وأصبح من أبرز المباني التاريخية في جدة، مما أسهم في تعزيز مكانته والحفاظ عليه كأحد الشواهد المهمة على تاريخ توحيد المملكة العربية السعودية.
3 - قصر المربع: بُني في عهد الملك عبد العزيز في أواخر عام 1355هـ/ 1936م وانتقل إليه هو وأسرته عام 1357هـ/ 1938م ليصبح مقرًا للحكم والإدارة ورمزًا شامخًا لتوحيد أجزاء الدولة وبناء مجدها.
4 - قصر خزام: تعود بداية بنائه إلى عام 1347هـ/ 1928م وهو من القصور الملكية المهمة في عهد الملك عبد العزيز، وشهد أحداثًا سياسية وإدارية بارزة، حيث كان يستخدمه -يرحمه الله- كديوان يستقبل فيه ضيوف الدولة وكبار المسؤولين وعامة الشعب.
5 - قصر إبراهيم: يُعد من أبرز المعالم التاريخية في المنطقة الشرقية، وقد حظي بالاهتمام والمحافظة عليه بعد استعادة الأحساء عام 1331هـ/ 1913م، حيث أضاف الملك عبد العزيز عليه طراز الأقواس شبه المستديرة والقباب الإسلامية، في حين ضم أيضًا الطراز العسكري المتمثل فيه بناء الأبراج الضخمة الموجودة حول القصر إلى ثكنات الجنود التي توجد شرقي القصر.
6 - قصر شبرا: اتخذه الملك عبد العزيز مقرًا رسميًا للحكم خلال فترة الصيف وإدارته لشؤون الدولة من أروقته حيث كان يمثل مركزًا للقرار السياسي ومكانًا لاستقبال الوفود الرسمية وعقد اللقاءات الوطنية البارزة.
7 - حي الطريف: يمثل قلب الدولة السعودية الأولى ومهدها التاريخي، وقد حرص الملك عبد العزيز على إبراز أهمية الدرعية التاريخية والمحافظة على مكانتها الوطنية.
وحقيقة تمثل هذه القصور والمواقع شواهد تاريخية على مراحل تأسيس الدولة وتوحيدها كما تعكس اهتمام الملك عبد العزيز- يرحمه الله- بالحفاظ على الإرث العمراني والتاريخي بوصفه جزءًا من الهوية الوطنية، الأمر الذي أسهم في بقاء هذه المعالم حتى الوقت الحاضر.
ثانيًا: دور الملك عبد العزيز في صون التراث غير المادي:
أدرك الملك عبد العزيز -يرحمه الله- أهمية المحافظة على التراث غير المادي كونه من أهم عناصر الهوية الوطنية، إذ يعتبر انتقال العادات والتقاليد والقيم والفنون الشعبية واللغة والأدب الشفهي من أبرز ثوابت بناء المجتمع وترسيخ وحدته، فعمل على صونه والمحافظة عليه من خلال تعزيز القيم الإسلامية والعادات العربية الأصيلة التي تميز المجتمع السعودي. كما حرص على ترسيخ مبادئ التكافل الاجتماعي والكرم والشجاعة واحترام التقاليد المتوارثة، مما ساعد على استمرارها وانتقالها بين الأجيال.
واهتم كذلك بالموروث الثقافي الشفهي، فأستمر تداول القصص الشعبية والأمثال والحكايات التي تعكس تاريخ المجتمع وثقافته. كما حظي الشعر النبطي بمكانة كبيرة في عهده، حيث كان وسيلة للتعبير عن مشاعر الناس وتوثيق الأحداث والقيم المجتمعية.
ومن الجوانب المهمة في جهوده -يرحمه الله- الحفاظ على الفنون الشعبية مثل العرضة السعودية وكافة الفنون التراثية المرتبطة بالمناسبات الوطنية والاجتماعية، حيث بقيت هذه الفنون حاضرة في حياة المجتمع وأسهمت في تعزيز الانتماء الوطني.وكان أيضًا يدعم العلوم الشرعية واللغة العربية عبر إنشاء المدارس والحلقات العلمية، فقد كان لها دور كبير في الحفاظ على جوانب مهمة من التراث الثقافي والفكري وترسيخ للعادات والتقاليد والقيم الإسلامية. وما كان لحرصه الدائم على مشاركة أبناء شعبه فرحتهم في المناسبات الوطنية والدينية في عيدي الفطر والأضحى لخير دليل على مدى بُعد نظره في أهمية تعزيز البنية التراثية بجوانبها المادية وغير المادية لضمان انتقال هذا الإرث إلى الأجيال المتعاقبة.
** **
د. أحلام علي أحمد أبو قايد - أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بقسم التاريخ - كلية العلوم الاجتماعية، جامعة أم القرى