سلمان بن محمد العُمري
من يدخل في عالم التجارة والأعمال، يدرك يقينًا أن أولى قواعد هذا الطريق هي حساب احتمالات الربح والخسارة في آن واحد، فالسوق لا يعرف الثبات، والجرأة المدروسة هي وقود الاستثمار بعد توفيق الله عز وجل، ومع ذلك، فإن الإنسان -مهما بذل من الأسباب، وأحكم التخطيط، واستند إلى أدق دراسات الجدوى الاقتصادية- يبقى بشراً محكوماً بظروف محيطة؛ فقد تواجهه عثرات ونكبات مفاجئة تأتي خارج حدود التوقعات والحسابات البشرية، لتقلب الموازين في لحظة.
«إن التجارة مخاطرة ممتعة، لكنها لا تضمن دائماً النجاة من أمواج الأزمات العاتية».
وعندما تشتد هذه العثرات وتضيق الخيارات، يلوح في الأفق شبح «الإفلاس». والإفلاس في عالم المال والأعمال والتجارة والاستثمار ليس وليد اليوم، ولا هو بظاهرة مستحدثة فرضتها الظروف الاقتصادية الحديثة، وفي الوقت الذي تظهر فيه مؤسسات وشركات جديدة، تختفي أخرى لأسباب عديدة متنوعة، ومن ذلك ما تم تناوله من الناس خلال الأسبوع الماضي في مجالسهم ومنتدياتهم ومواقع التواصل الاجتماعي عن حالات الإفلاس لدى بعض الشركات، وفق ما نشرته بيانات لجنة الإفلاس السعودية «إيسار» أمام محاكم الرياض والدمام وجدة وبريدة، وتسجيل أسماء (64) شركة سعودية أفلست فعلياً، أو بدأت إجراءات إعلان الإفلاس خلال شهر يونيو الماضي، وبذلك يرتفع عدد الشركات السعودية التي أفلست، أو بدأت إجراءات إعلان الإفلاس، منذ الأول من يناير 2026 حتى نهاية يونيو 2026، إلى 375 شركة.
الربح والخسارة ليس بجديد في عالم التجارة منذ القدم، ولكن مع انتشار وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ظهرت بعض الحقائق للجميع، وعلى الرغم من ذلك كانت أحاديث الناس ما بين خبير متخصص يشرح ويفسر، وما بين جاهل متفلسف ليس له ناقة ولا جمل في عالم التجارة والاقتصاد، تجده يحلل ويبربر ويفتي في الموضوع مشرقاً ومغرباً في كلام لا يغني ولا يسمن من جوع، وهكذا دواليك مما يتحدث به المجتمع بكل طوائفه وشرائحه..
ولو نظرنا في إرثنا المعرفي، وتحديداً في كتب البيوع في الفقه الإسلامي وشروحاتها، لوجدنا أن الفقهاء والسابقين قد استشعروا ثقل هذه القضية مبكراً؛ فأفردوا لها أبواباً وفصولاً مستقلة (كأبواب الحجر والإفلاس والغريم)، موازين فيها بين حفظ حقوق الدائنين ومراعاة حال المدين المعسر.
وفي هذا المقال، نسلط الضوء على مفهوم الإفلاس، لا بوصفه نهاية المطاف، بل كأداة قانونية واقتصادية -لها جذور تاريخية عميقة- تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق والنهوض من جديد إلى جانب الأنظمة العدلية الحديثة التي تم إقرارها لمعالجة أزمة التاجر أو الشركة المالية وبما يضمن حقوق الآخرين.
أحببت في هذا المقام أن أعرف رؤية المحامين المختصين فيما يسمى «ظاهرة إفلاس الشركات».. ليشرح لنا عما جرى ويجري على الساحة، وأقدمها للقراء الكرام، لعلها تفيدهم بدلاً من التخبصات ممن ليس لهم علاقة في إفلاس الشركات.
يقول المحامي عبدالرحمن بن رضوان المشيقح: «ما يتداوله الناس من تخوفات حول نظام الإفلاس أمر مفهوم ومقدّر، لكن الحقيقة أن النظام جاء في أصله لحماية الدائنين لا لإضاعة حقوقهم؛ فحين تتعثر شركة ما، فإن غياب نظام الإفلاس يعني تسابق الدائنين على الأصول بشكل فوضوي، مما يؤدي إلى ضياع حقوق الأغلبية لصالح من سبق منهم، أما وجود النظام فيضمن توزيعاً عادلاً وشفافاً لأصول المدين على جميع الدائنين وفق أولويات محددة نظاماً، والأهم من ذلك، أن النظام لم يُغفل المحتالين والمتلاعبين، بل وضع لهم عقوبات صارمة وزاجرة، فمن يثبت أنه أخفى أصولاً، أو اصطنع ديوناً وهمية، أو تصرف في أموال الشركة إضراراً بالدائنين قبل إعلان الإفلاس، فإنه يواجه عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامات تصل إلى خمسة ملايين ريال. والنظام يمنح أمين الإفلاس صلاحيات واسعة للتحقيق في تاريخ الشركة المالي، وتتبع حركة الأموال، وإبطال أي تصرفات مشبوهة سبقت إعلان الإفلاس، بل ومساءلة المديرين في أموالهم الشخصية إذا ثبت سوء نيتهم.
وكثير من الناس يظن أن المفلس يخرج من الإجراء وكأن شيئاً لم يكن، وهذا غير صحيح. فأمين الإفلاس يفحص كل تصرف مالي قام به المدين خلال فترة الاشتباه، وإذا وجد أن هناك تحويلات لأقارب أو بيع أصول بأقل من قيمتها أو أي محاولة لتهريب الأموال، فإنه يبطلها ويعيد تلك الأموال لمصلحة الدائنين، والنظام ليس رخصة للاحتيال، بل هو في حقيقته أداة رقابية صارمة تكشف المتلاعبين وتحاسبهم.
ورسالتي للمجتمع أن نظام الإفلاس له وجهان: وجه رحيم مع المتعثر الصادق الذي واجه ظروفاً قاهرة، ووجه صارم وعقابي مع المحتال الذي يتخذ من الإفلاس وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، والوعي بهذا النظام هو خط الدفاع الأول لحماية حقوق الجميع». انتهى.
وبعد.. هذه الإضافة الوضاءة المهمة من المحامي وأمين الإفلاس، نرى من الأهمية بمكان أن تقوم الجهات المختصة ذات العلاقة بدراسة الموضوع من كافة جوانبه، لأن تلك القضية ليست فردية بل مجتمعية تتعلق باقتصاد البلاد والعباد؛ فهل نسمع كلاماً شافياً ووافياً ممن يعنيهم الأمر.. نتمنى ذلك.