فهد بن زيد الدعجاني
من أجلِّ العلاقات الإنسانية وأعظمها أثرًا علاقةُ الجوار؛ فهي ليست مجرد تقارب بين المنازل، بل ميثاقٌ من المودة والتراحم والتكافل. وقد أولى الإسلام حقَّ الجار عنايةً عظيمة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». فحسن الجوار لا يُقاس بقرب البيوت، وإنما يُقاس بصدق المحبة، وحسن المعاملة، والوقوف مع الجار في أفراحه وأتراحه، ومواساته عند الشدائد، والفرح له عند النعم. وحين تتجسد هذه المعاني في شخص، فإنها تتحول من مبادئ تُقرأ إلى مواقف تُعاش، ومن هنا جاءت فرحتي الغامرة بشفاء جاري العزيز إبراهيم بن محمد الزكري (أبو عبدالله)، الذي وجدنا فيه على مدى سنوات طويلة صورةً مشرقةً للجار الصالح والإنسان الكريم.
ليست كل علاقات الجوار حدودًا تفصل بين المنازل، بل إن بعضها يمتد ليصبح وشائج محبة وأخوّة لا تقل عمقًا عن روابط النسب. ومن هذا النوع من العلاقات ما يجمعني بجاري العزيز أبي عبدالله، الذي أعدّه بمنزلة الأخ الأكبر، ولذلك كان نبأ إصابته بجلطة صدمةً كبيرة لي ولجميع من يعرفه، قبل أن يبدل الله تلك الصدمة فرحًا بشفائه، فله الحمد على قضائه وقدره، وله الحمد على تمام نعمته.
عرفت أبا عبدالله رجلًا مستقيمًا في دينه، حسن السيرة، كريم الخلق، محافظًا على الصلاة، حتى أصبح حضوره المبكر إلى المسجد مشهدًا مألوفًا لكل من يرتاده. وعلى مدى سنوات طويلة جمعنا مسجد واحد، وكثيرًا ما كنا نقف في صف واحد، فلا يفصل بيني وبينه إلا المؤذن. وكان مما يلفتني فيه كذلك ملازمته لكتاب الله، وحرصه على تلاوته، وأسأل الله أن يجعله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
وقد شاء الله أن يبتليه بعد موسم من الطاعة؛ إذ أتم صيام شهر رمضان، ثم أتبع ذلك بصيام ستة أيام من شوال، وبعد يومين فقط أصيب بالجلطة أثناء حضوره مناسبة زواج ابن أخيه المهندس عبدالمحسن، حيث كان يؤدي صلة رحمه ويشارك أسرته فرحتها، وهي خصلة عرف بها دائمًا.
ولم يكن أبو عبدالله معروفًا بين الناس بعبادته فحسب، بل عُرف أيضًا بكرمه وسعة صدره وحسن ضيافته. فباب منزله مفتوح كل مساء بعد صلاة المغرب، يستقبل ضيوفه بوجه طلق، ويكرمهم بما اعتاده من سخاء، وهو امتداد لما عُرفت به أسرته من أصالة وكرم. كما أنه يقدر جيرانه، ويعامل الجميع بالتسامح والتغاضي، ويقابل الناس ببشاشة وهدوء وحكمة، حتى أصبح محل محبة واحترام كل من عرفه.
ولعل أكثر ما يزيد هذه العلاقة خصوصية أنها لم تبدأ معنا، بل تمتد جذورها إلى آبائنا وأجدادنا. وأذكر أننا ذهبنا أنا وأخي سعود لتعزية أحد الزملاء في وفاة والدته، فالتقينا هناك بالمهندس عبدالمحسن، شقيق أبي عبدالله، فأراد أن يعرفنا بوالد زميلنا، فقال عبارة بقيت راسخة في ذهني: “جدهم جار جدي، ثم والدهم جار والدي، واليوم فهد جار أخي إبراهيم.” كلمات قليلة، لكنها لخصت تاريخًا طويلًا من الجوار الصادق والمودة المتوارثة بين الأسرتين.
وحين مرض أبو عبدالله شعرنا جميعًا أن ما أصابه لم يكن مصابه وحده، بل كان مصابًا لكل من يحبه. عشنا أيامًا من القلق والترقب، نتابع أخباره ونسأل الله له الشفاء في كل حين، حتى منَّ الله عليه بالخروج من المستشفى وإتمام فترة النقاهة، فكان ذلك من الأخبار التي أدخلت السرور إلى قلوبنا.
إن الإنسان قد يترك في نفوس الناس أثرًا بماله أو جاهه، لكن الأثر الأبقى هو أثر الأخلاق، وحسن المعاملة، والصدق مع الله والناس، وهي الصفات التي وجدناها في أبي عبدالله، فاستحق بها محبة الجميع ودعواتهم الصادقة.
أسأل الله الكريم أن يتم عليه نعمة الصحة والعافية، وأن يجعل ما أصابه رفعةً في درجاته، وتكفيرًا لذنوبه، وأن يحفظ له زوجته أم عبدالله، ويبارك له في أبنائه وذريته، وأن يديم على أسرته نعمة الأمن والإيمان والعافية.
كما أسأله سبحانه أن يديم بيننا نعمة الجوار الصالح، وأن يجمعنا كما جمعنا في الدنيا على المحبة والإخاء، متجاورين في جنات النعيم.