أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
إذا اجتمع المستلَبُ لُغويًّا مع المتنطِّع لُغويًّا، فقل على اللُّغة السلام! أمسيتَ، يومئذٍ، أمام كارثة العَرَبيَّة بأبنائها، حين تجد كلَّ واحد من (المستلَبين والمتنطِّعين) يهدم العَرَبيَّة على طريقته، ويلعن الآخَر على طريقته، وهو يظنُّ أنَّه يُحسِن صُنعًا ولَعنًا. قلتُ لـ(ذي القُروح)، وهو يحاضرني ويحاصرني، فلا يكاد يعجبه شيء مما يُعجب الناس، فأُجاريه لأستنزف سحائبه:
- على أنَّ الاستلاب اليوم بلا حدود، ليس أوَّله الاستلاب اللُّغوي ولا آخِره الاستلاب التاريخي.
- ومن آيات هذا الأخير، أنَّ التأريخ في هذه البلاد ظلَّ في العصر الحديث يسجَّل بتاريخ هذه البلاد، أي بالتاريخ الإسلامي الهِجري. ثمَّ بِتنا منذ سنوات نُغَرِّب عن تاريخنا، لنتبنَّى التاريخ المسيحي-الذي انتهى الأخذ به في الثقافة الإسلاميَّة منذ 1447 سنة- لا التاريخ الإسلامي. حتَّى أصبح تقويمنا لا بالتاريخ الإسلامي بل بالتاريخ المسيحي. وكان المؤرِّخون لدينا منذ سنوات يَجمعون، عند الضرورات التي تباح فيها المحظورات، بين التاريخَين.
- وتلك التبعيَّة التاريخيَّة عُقدةٌ عُربانيَّة حديثة، ظلَّت بلادنا غير مصابة بها، حتَّى غَرِق فيها الغارقون مؤخَّرًا، وإلى الأذنين.
- وهذا الضرب من التبعيَّة الاستلابيَّة بالغُ الدلالة على جيلٍ سينشأ مغتربًا عن تاريخه جذريًّا، لا بالمعنى الرقمي فحسب، بل بكلِّ ما وراء الأرقام من أرقامٍ وقِيَم.
- التاريخ يكتبه الغالب المنتصر، كما يقال!
- إذا كان التاريخ يكتبه الغالب المنتصر، كما يقال، فإنَّ من التاريخ ما يكتبه المغلوب المهزوم أيضًا، عن نفسه وعن الآخَر، لا بالحِبر فحسب، بل بالممارسات والمواقف أيضًا. المفارقة الأدلُّ هاهنا أنَّ هذا التاريخ الإسلامي المجيد كان يُستعمَل قديمًا، لا من العَرَب المسلمين فحسب، بل من غير المسلمين أحيانًا، إلى جوار تاريخهم القومي أو الدِّيني.
- وتلك الأيَّام نُداوِلها بين الناس!
- من الشواهد على ذلك -على سبيل النموذج- بعض الكتابات التاريخيَّة السُّريانيَّة.
- يُذكَر أنَّ (السُّريان) شعبٌ متحضِّر، وليس كشعب الله المحتار! يعود إلى (آرام بن سام بن نوح)، يجمعهم والعَرَب الانتماء إلى اللُّغات الساميَّة، حسب تصنيف اللُّغويِّين. استوطنوا بعض بلاد (الشَّام) و(العراق).
- نعم. في تلك الكتابات السُّريانيَّة لم يكن يكتفي الكاتب بالإشارة إلى التاريخ الإسلامي العام، بل قد يُؤرَّخ إلى جانبه بالسَّنَة من حُكم الحاكم الإسلامي المعاصر للأحداث. كأنْ تقرأ: «وفي سنة 936 يونانية، وهي السنة الخامسة عشرة لهرقل، والخامسة والثلاثين لكسرَى، والرابعة لمحمَّد... حدثَ كيت وكيت...». ويفعلون مثل ذلك حينما يأتون إلى أحداث وقعت في عهد (أبي بكر)، أو (عُمَر)، أو (عثمان)، وهلمَّ جرًّا، مشيرين إلى ما يوافق التاريخ من سِنيِّ حُكم كلِّ علَمٍ من هؤلاء الحُكَّام.
- قد يقول لك قائل: إنَّ السياق كان يقتضي ذلك لدَى المؤرخ السُّرياني؛ إذ يتحدَّث عن الفتوحات الإسلاميَّة، مثلًا، وما يتعلَّق بها.
- وليكن ذلك كذلك، فكيف بالعَرَبيِّ أو المسلم عندما يتحدَّث عن أمور داخليَّة، تتعلَّق بالعَرَب والمسلمين، فيؤرِّخها بتاريخ الآخَرين، منسلِخًا من هُويَّته وتاريخه.
- بل قل: حتَّى عندما يتحدَّث عن تاريخ ميلاده المجيد!
- لسان حاله: أنا لا شأن لي لا بالعَرَب ولا بالمسلمين ولا بتاريخ هذا الهُراء! بل أنا مولًى بن مولًى، من مَوالي الأقوَى في هذا العصر المغضوب عليه، أَدِين بدِين التبعيَّة له أنَّى توجَّهتْ ركابه! أتحدَّث لُغته، حتَّى في عقر دار الذين خلَّفوني، وأؤرِّخ بتاريخ سيِّدي، حفظه الله لي، فأنا منه وإليه، ولا انتماء لي إلى سِواه، ولو كان هذا السِّوَى نفسي وأهلي وقومي وتاريخي.
- وكذلك هو تاريخ الأَرِقَّاء دائمًا عبر التاريخ.
- وإنَّ من الأَرِقَّاء من هم أرفع نخوةً وكرامةً على نفوسهم من التردِّي في تلك الهُوَّة السحيقة.
- أنَّى لك هذه الخَبَريَّات، يا (ذا القُروح)؟
- لعلَّ من المفيد أن أحيلك في هذا الإطار إلى كتابٍ مهم، عنوانه «الرواية السُّريانيَّة للفتوحات الإسلاميَّة»، نشره الباحث (تيسير خلف)، (دمشق- بيروت، دار التكوين: 2016). وكان السُّريان، كما يقول المؤلِّف، شهودَ عيان على الأحداث في صدر الإسلام، فوثَّقوها عن كثب، في كُتب التاريخ التي كانوا يضعونها للسُّريان ويتوارثونها. واصفًا تلك المصادر السُّريانيَّة بأنها توفِّر روايةً حياديَّة، بين الرواية الإسلاميَّة والرواية البيزنطيَّة. وتزداد أهميَّتها من كون السُّريان دوَّنوا الأحداث في إبَّانها، من قِبَل مؤرِّخين معاصرين لزمن الفتوحات الأُولى، بعضها من أخبار جنودٍ سُريان، كانوا ضِمن القوَّات البيزنطيَّة، وبعضها من تقارير أو رسائل كان يدوِّنها أساقفةٌ ورجال دِين.
- يبدو كتابًا مدهشًا في محتواه عن الفتوحات الإسلاميَّة، لا على لسان مسلم، ولا على لسان عَرَبي، بل على لسان مؤرِّخ سُرياني، يقف على ضِفَّةٍ أخرى من الهويَّة والدِّين.
- ممَّا جاء فيه حول الاضطهاد الذي لحق بالمسيحيِّين، إبَّان الصِّراع بين (الرُّوم) و(الفُرس)، سنة 622 ميلاديَّة- أي بعد مولد (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)، بنحو إحدى وخمسين سنة- تقرأ للراوي السُّرياني قوله، واصفًا الفتح الإسلامي بأنه جاء تحريرًا من اضطهاد القوَّتين العُظمَيين في ذلك العصر، (الفُرس) و(الرُّوم):
«وجاء [الله] من الجنوب بأبناء إسماعيل؛ لكي يكون لنا الخلاصُ من أيدي الرُّوم بواسطتهم. أمَّا الكنائس التي كُنَّا قد فقدناها باغتصاب الخلقيدونيين إيَّاها، فبقيتْ بيدهم؛ لأنَّ العَرَب، لدَى دخولهم المدينة، أبقوا لكلِّ طائفةٍ ما بحوزتها من الكنائس. وقد فقدنا في هذه الفترة كنيسة (الرها) الكبرى، وكنيسة (حَرَّان). غير أنَّ فائدتنا لم تكن يسيرة؛ حيث إنَّنا تحرَّرنا من خُبث الرُّوم، ومن شَرِّهم، وبطشهم، وحِقدهم المرير علينا، وتمتَّعنا بالطمأنينة».(1)
ويسجِّل المؤرخ السُّرياني عن وفاة الخليفة (أبي بكر، رضي الله عنه):
«وفي عام 946 يونانية، والرابعة والعشرين لهرقل [634م]، وال13 هِجريَّة، تُوفي أبو بكر، بعد حكمٍ دام سنتين، وخلفَه عُمَر بن الخطاب، فأرسل جيشًا إلى ولاية العَرَبيَّة، واحتلَّ (بُصرَى) وفتحَ عِدَّة مُدن.»(2)
وكتبَ عن وصول (عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه) إلى (القُدس)، قائلًا:
«في نهاية سنة 948 يونانية، وهي السنة 26 لهرقل، والخامسة عشرة للهِجرة، وصلَ الخليفة عُمَر إلى (فلسطين)، فاستقبله (صفرونيوس)، أسقف القُدس، وتحدَّث إليه عن البلاد، فكتب له عهدًا على أن لا يسكن يهوديٌّ في القُدس. فلمَّا دخل عُمَر القُدس، أَمَرَ ببناء مسجدٍ في موقع الهيكل. وإذْ رأَى صفرونيوس ثيابًا رثَّة على عُمَر، عرضَ عليه ثيابًا، والتمسَ منه قبولَها، فأَبَى؛ لأنه اعتاد على أن لا يأخذ شيئًا من أحد! وكان يقول: «لا ينبغي على المرء أن يأخذ شيئًا من آخَر، لم يُعطه اللهُ إيَّاه؛ لأنَّ الله يُعطي لكلِّ إنسانٍ ما يريده، وإذا طَمِع بما عند رفيقه، يكون قد تصرَّف ضدَّ مشيئة الله.»(3)
وفي مساق الأسبوع المقبل سنعرف بقيَّة ما سجَّله المؤرخ السُّرياني حول (عُمَر)، وأنَّ قرار فتح بيت (المقدس)، ومعه (بلاد الشَّام) برُمَّتها، كان قرارًا نَبَويًّا مبكِّرًا، لا قرارًا عُمَريًّا. وكذا ما وردَ عن الجبهة الفارسيَّة، وأخبار (سعد بن أبي وقَّاص)، و(سعيد بن عثمان بن عفَّان) على تلك الجبهة.
* مرفأ:
إذا استَغْنَيْتَ، لَمْ تَنَلِ اللَّيَالي
مِنَ الإِصْبَاحِ فِيْكَ لَها الْتِيَالا
وإلَّا صِرْتَ رِجْلَةَ(4) كُلِّ رِجْلٍ
ونَعْلًا عَنْهُ تَدَّخِرُ النِّعَالا!
* * *
وخَيْرُ المَالِ ما ادَّخَرَ اليَتامَى
وشَرُّ المَالِ ما انْتَفَشَ اخْتِيَالا
وما فَقْرٌ سِوَى خَوْفِ افْتِقَارٍ
ولا أَغْنَى مِنَ الرَّاضِيْ اتِّكَالا
فبَشِّرْ قابِضَ الكَفَّيْنِ فَقْرًا
وبَشِّرْ باسِطَ الكَفَّيْنِ مَالا!
______________
(1) خلف، تيسير، الرواية السُّريانيَّة للفتوحات الإسلاميَّة، 38.
(2) م.ن، 44.
(3) م.ن، 57.
(4) نبتة الرِّجْلَة، المسمَّاة في (فَيْفاء): مِرْجِلَة، وفي (فِلَسطين): فَرْفَحِيْنَة، وفي معجمات العَرَبيَّة: رِجْلَة، وفَرْفَخ، الموصوفة بأنها: «البقلة الحمقاء». قيل: لضَعفها، أو لأنَّها تَنْبُت على الطُّرق، فتُداس. (يُنظَر: ابن دريد، جمهرة اللُّغة، (حقم)؛ الزَّبيدي، تاج العروس، (حمق)).
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)