أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
يكفي أن يتصفّح أحدنا هاتفه دقائق معدودة حتى تقع عيناه على عنوان حاد، أو عبارة ساخرة، أو مقطع قصير يتعمّد صاحبُه فيه الاقترابَ من منطقة حسّاسة في نفوس الناس، ثم تبدأ التعليقات بالظهور، وتتسع دائرة الغضب، ويتحوّل المنشور الصغير خلال ساعات قليلة إلى ساحة صاخبة تتزاحم فيها الاتهامات، وتتقاذفها الردود، ويغادرها الجميع وقد خسروا شيئاً من هدوئهم، بينما يقف صاحب المحتوى سعيداً بما حقّقه من انتشار، فعدد المشاهدات يتصاعد، واسمه يتردّد، وحسابه يستقبل أعداداً جديدة من المتابعين، وقد أدرك منذ البداية أن الطريق الأقرب إلى انتباه الجمهور يمر أحياناً عبر أعصابهم.
هذه الصورة التي تتكرّر في وسائل التواصل تفتح أمامنا باباً واسعاً للنظر في ظاهرة يمكن تسميتها (بلاغة الاستفزاز)، وهي طريقةٌ في صناعة الخطاب تقوم على تحريك المشاعر الحادّة، واختيار الألفاظ التي تثير الحساسية، واستدعاء القضايا التي يعرف المتحدث سلفاً أنها ستقسّم الناس إلى معسكرات، ثم تقديمها في صيغة موجزة وحاسمة تمنح المتلقي شعوراً بأنَّ موقفه وهُويته وقِيمه أصبحت جميعاً في موضع اختبار، فيندفع إلى التعليق والدفاع والهجوم، ويمنح الخطابَ بذلك حياة أطول وانتشاراً أوسع.
لقد عرف الناس (الاستفزاز) منذ زمن بعيد، ومارسوه في خصوماتهم ومجالسهم ومجادلاتهم، غير أنَّ المنصات الحديثة منحته فضاءً أرحب، وسرعةً هائلة، وجمهوراً ممتدا، وأدخلته ضمن صناعة متكاملة تحسب التفاعل بالأرقام، وتقيس النجاح بمقدار الضجيج الذي يصنعه المحتوى، حتى ظهر بين صنّاع المقاطع والمنشورات مَن يُتقن اختيار الموضوع القابل للاشتعال، ويعرف العبارة التي ستوقظ الغضب، والتوقيت الذي يضاعف أثرها، والصورة التي تمنحها قدراً أكبر من الحدّة، ثم يُلقي بها في فضاء الناس وينتظر ما سيحدث.
وتعتمد (بلاغة الاستفزاز) على جملة من الأساليب التي عرفتها العربية في أبوابها المختلفة؛ فهناك المبالغة التي تضخّم الخطأ الفردي حتى تجعله ظاهرةً عامة، والتعميم الذي ينقل حكماً عابراً إلى فئة كاملة، والسخرية التي تغلّف الإهانة بابتسامة، والاستفهام الذي يحمل حُكمه داخل صياغته، والمقارنة التي ترفع طرفاً وتهوي بآخر، والألفاظ المشحونة التي تستدعي في ذهن المتلقي تاريخاً من الخصومة، إضافةً إلى حذف أجزاء من الحكاية، وانتقاء مشهد واحد منها، وترتيبه بطريقة تقود الجمهور إلى النتيجة التي يريدها صاحب الخطاب.
ويبلغ (الاستفزاز) ذروة تأثيره حين يقترب من الأشياء التي يعتز بها الإنسان؛ دينه، ووطنه، وأسرته، ومنطقته، وتخصصه، وناديه، وشخصيته الاجتماعية، وعاداته وتقاليده، فهذه المساحات تتصل بعُمق التكوين النفسي، ويشعر المرء تجاهها برغبة فطرية في الحماية؛ ولهذا يختار صانعُ الاستفزاز مفرداته بعناية، ويضعها في الموضع الذي يضمن استنفار هذه الرغبة، وحين ينجح في ذلك يتحوّل المتلقي من قارئ هادئ إلى طرفٍ في معركةٍ صنعها شخصٌ آخر، وحدّد مسارها، واختار مفرداتها، وترك للناس مهمة إشعالها.
والعجيب أنَّ كثيرًا من المتلقين يدركون هذه اللعبة، ويعرفون أنَّ بعض الحسابات تعيش على إثارة الجدل، ثم يجدون أنفسهم منخرطين فيها كل مرة، يكتبون الردود الطويلة، وينقلون المقطع أو المنشور إلى أصدقائهم، ويحذّرون منه في مجموعاتهم، ويمنحونه بذلك مزيداً من الحضور، حتى يصبح الغاضب شريكاً كاملاً في نجاح الخطاب الذي أغضبه، ويُقدّم لصاحبه خدمةً مجانيةً كان يتطلع إليها منذ اللحظة الأولى.
وهنا يظهر الجانب النقدي في التعامل مع هذا اللون من المحتوى، فالمتلقي الواعي يحتاج إلى أن يسأل نفسه قبل المشاركة: ما الغاية من هذه العبارة؟ وما الذي أضافته إلى القضية؟ وهل صيغت من أجل بناء رأي يستحق المناقشة، أم من أجل صناعة انفعال سريع؟ ومَن المستفيد من انتشارها؟ وكيف سيكون مصيرها لو مرَّ الناس عليها بهدوء؟ هذه الأسئلة تمنح الإنسان مسافة آمنة بينه وبين الخطاب، وتُعيد إليه حريته في اختيار الاستجابة، وتمنع الآخرين من إدارة مشاعره بالطريقة التي تحقق مصالحهم.
كما تقع على الكاتب والمثقف وصانع المحتوى مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ تجاه الكلمات التي يطلقها في فضاء الناس، فالتأثير قدرةٌ ثمينة، واستعمالها في إشعال الخصومات يفسد الذائقة العامة، ويجعل المجتمع أكثر توترا، ويعوّد أفراده على الأحكام السريعة، ويمنح الخطابَ الحادَّ مكانةً تتقدّم على الخطاب العاقل، ومع تراكم هذا اللون من القول تصبح السخريةُ دليلاً على الذكاء، والحدّةُ علامةً على الشجاعة، والصراخُ طريقاً إلى الشهرة، ويجد صاحبُ الرأي المتزن نفسَه محاصراً وسط سوقٍ يطلب الإثارة ويكافئ أصحابها!
ويمتد أثر هذه الظاهرة إلى العلاقات اليومية أيضا، فبعض الناس ينقلون لغة المنصّات إلى مجالسهم وبيوتهم وأعمالهم، ويعتادون إثارة الآخرين، واختبار صبرهم، والتنقيب عن الكلمات التي تؤلمهم، ثم يسمّون ذلك: صراحة، أو خفة ظل، أو قوة شخصية، مع أن الكلمة المستفزة تترك في النفس أثراً قد يطول، وتفتح في العلاقة شقاً صغيراً يتسع مع التكرار، وتزرع في القلوب قدراً من الحذر يجعل اللقاءات القادمة أقل صفاء وأضعف مودة.
والإنسان أمام هذا كله يملك سلاحاً بالغ القوة، يتمثّل في الوعي بمقاصد الخطاب، والهدوء عند تلقيه، وتأخير الاستجابة حتى تهدأ حرارة الانفعال، فالكلمات المستفزة تستمد طاقتها من سرعة الرد، وتذبل حين تواجه عقلاً متأنياً يعرف الفرق بين القضية الحقيقية والطُعم المصنوع، ويختار أن يحفظ وقته ومشاعره من العبث، وقد يكون المرور الهادئ على بعض المنشورات موقفا أشد أثراً من عشرات التعليقات؛ لأن صاحبها ينتظر الغضب، ويقتات على التفاعل، ويشعر بالهزيمة حين يسقط خطابه في فراغ التجاهل.
إن (بلاغة الاستفزاز) تكشف وجهاً من وجوه التحول الذي أصاب الخطاب المعاصر، حيث أصبحت مشاعر الإنسان مادةً للتسويق، وتحوّل الغضب إلى رقم، وصارت الخصومة وسيلةً لرفع الحضور، ومن هنا تزداد حاجتنا إلى تربية ذائقةٍ جديدةٍ تقرأ ما وراء الكلمات، وتكشف غاياتها، وتمنح الاهتمام لمن يستحقه، فكل ضجيج نصنعه حول قول مستفز يضيف إلى عمره ساعات جديدة، وكل هدوء واعٍ يحرم صاحبه من الثمرة التي أرادها، وبين الضجيج والهدوء تتحدّد قدرتنا على حماية عقولنا وقلوبنا مِن أولئك الذين يتقنون إشعال النار، ثم يجلسون بعيدًا يراقبون اتساع الدائرة.