أحمد الأسمري
«كان انتظارك عمري، وحضورك ولادتي، وغيابك ضياعي».
لا تبدو هذه، للوهلة الأولى، كلمات الرجل الذي عرفه العرب كاتباً فلسطينياً مبدئياً، صحفياً ومناضلاً صلباً، أنهت المخابرات الإسرائيلية حياته بعبوة ناسفة في عملية غادرة.
لكنها كلمات غسان كنفاني نفسه إلى غادة السمّان.
وربما لهذا تبدو سيرة غسان أوسع من الصورة التي بقيت في الذاكرة وعلى الجدران؛ رجل بملامح جادة، وسيجارة، وقضية تملأ حياته.
خلف تلك الصورة عاش إنسان عرف الفقد صغيراً، ثم أحب بكثافة، وخاف من الغياب.
ولد غسان في عكا عام 1936، ودرس في يافا، قبل أن تخرجه النكبة مع أسرته من فلسطين. مروا بلبنان ثم استقروا في دمشق، وهناك عرف الصبي مبكراً معنى أن تتغير الحياة كلها دفعة واحدة.
دفعه اللجوء إلى العمل في مطبعة، وتوزيع الصحف، والخدمة في مطعم، بينما واصل تعليمه حتى صار معلماً للتربية الفنية في مدارس «الأونروا».
ذهب إلى الكويت عام 1956، وعمل مدرساً للرسم والرياضة، ثم انتقل إلى بيروت عام 1960 بعد ظهور أعراض مرض السكري عليه.
وفي بيروت تسارعت حياته وتكثفت: صحافة وسياسة وكتابة، من «المحرر» إلى «الأنوار»، ثم «الهدف»، وناطقاً باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وفي خضم ذلك كله، كتب «رجال في الشمس» و«أرض البرتقال الحزين» و«أم سعد» و«عائد إلى حيفا».
الرجل الذي نزح من فلسطين طفلاً، قضى جزءاً كبيراً من عمره يكتب عن الذين خرجوا، وعن البيوت التي تركوها خلفهم، والأسئلة التي لا تنتهي بمجرد عبور الحدود.
ثم دخلت غادة حياته.
التقيا أول مرة في جامعة دمشق أمام باب قاعة للامتحانات الشفهية، وتقول غادة إنها لم تكن قد سمعت به أديباً يومها.
افترقت بهما الطرق أربعة أعوام، قبل أن تجمعهما مصادفة في جريدة «المحرر» ببيروت.
حين استعاد البداية بدا كأنه عرف إلى أين ستقوده الحكاية، على الأقل من جهته.
ولعل السؤال الأكثر جاذبية: لماذا غادة؟
تقول رسائله شيئاً من الجواب.
لم ير فيها جمال امرأة فقط، بل جذبته أيضاً حريتها وعقلها وموهبتها.
ناداها «الشقية»، ووصفها بـ«المرأة الطليقة»، فقد كانت كثيرة الحركة والسفر، لها عالمها ومزاجها، ولم تبد امرأة يسهل أن يطمئن رجل إلى بقائها في المكان الذي يريده، وربما أحب فيها ما أتعبه منها.
ارتقب رسائلها، وعاتبها على تأخرها، وسألها لماذا لا تكتب، طالباً منها أن تكتب ليلاً ونهاراً.
كان يفضل حروفها ورأيها، يفتقد ذكاءها كما يفتقد قربها، ويظهر في رسائله مرة عاشقاً واثقاً، ثم يعود غَضّاً غاضباً أمام غياب لا يفهمه.
لكن رسائله تكشف شيئاً يتجاوز الحكاية العاطفية، وهو الخوف الواضح من الفقد.
وهنا يصعب ألا نعود إلى غسان الطفل الذي خرج من يافا في الثانية عشرة.
هذه قراءة إنسانية لا تشخيصاً سيكولوجياً، لكن غسان عرف مبكراً أن البيت يمكن أن يضيع، وأن المكان قد يصبح ذكرى، وأن الحياة قادرة على اقتلاع الإنسان من أكثر الأشياء ثباتاً في عينيه.
فهل حمل هذا الخوف معه إلى الحب؟
ربما. فالذي تعلم صغيراً أن الأشياء قد تختفي فجأة، قد يكبر أقل اطمئناناً إلى بقائها.
وفي حياة غسان لم يأت الحب بدور هامشي أو كزينة في سيرة المناضل.
لقد كشف إنساناً آخر تحت ثقل السياسة والقضية، رجلاً ينتظر ويغار ويضطرب ويكتب ويأمل الجواب، ثم يواصل الكتابة لأن الجواب لم يصل كما أراد.
هذا الارتباك العاطفي لم يقف عند حدود الرسائل المتبادلة، بل تسلل بهدوء إلى حبره ليعيد صياغة شخوصه الروائية ككائنات بشرية نابضة بالاحتياج العاطفي.
إن ذلك الذعر الوجودي الطفيف الذي كان يصيب غسان هو ذاته الذي سكبه في أبطاله على الورق، أولئك الذين يركضون خلف ملاذٍ دافئ، ويفتشون عن أمانٍ يقيهم قسوة الاقتلاع المفاجئ.
لم يكونوا أبطالاً من صخر، بل أناس من لحم ودم يشبهونه، يملكون قلوباً قابلة للكسر، ويخوضون معاركهم اليومية بصلابة يغطون بها مآسيهم الداخلية.
بعد عشرين عاماً على اغتياله، نشرت غادة رسائله إليها، وخرج ذلك الصوت الخاص إلى الناس.
ثار الجدل: هل يحق نشر رسائل لم يكتبها صاحبها للعامة؟ وهل من العدل أن نقرأ صوته وحده فيما غابت رسائلها إليه؟
لكن الرسائل، بعد أن صارت جزءاً من الذاكرة الأدبية، قدمت وجهاً لا يمكن تجاهله، وعرف الناس غسان الذي أهدى فلسطين عمره، دون أن يهديه العمر ما كان ينتظره.
في صباح الثامن من يوليو 1972، انفجرت سيارته في بيروت، وقُتلت معه ابنة أخته لميس.
أنهت العبوة حياته وهو في السادسة والثلاثين فقط.
لكن بقيت سيرته وكلماته، وبقيت فلسطين بهية قريبة في رواياته، وبقيت حيفا حلمه الذي عاد إليه في الكتابة بعد خيبات السياسة، وبالطبع بقيت غادة في رسائل الحب الأيقوني الذي جمعهما.
كان رجل قضية ومطلب، وإنسان عشق وأدب، فكتب الوطن بشغف، وأحب المرأة بخوف. وفي الحالتين، كانت خشيته دائماً من أن يضيع ما يحب.