د.أحمد يحي القيسي
جرى العرف في فن الكتابة الرحلية أن يدون الرحالة مشاهداته لحظة بلحظة، ثم يُخضع تدويناته لآلية صارمة تحذف وتذر.
لكن الأمر يبدو مختلفاً في «غربة بطعم كارتالا» لعبدالله الخضير الذي استدعى رحلته إلى جزر القمر بعد ستة عشر عاماً، ليشرع في كتابتها؛ فعجلة السرد تنطلق من لحظة ارتداد يبعد فيها الصوت السارد عن مشاهداته زهاء عقد ونصف من الزمان. والكتابة المتأخرة هنا تقليد مستعار من قالب أدب السير، وهذا أول تداخل أجناسي يصادفه قارئ النص، أما التداخل الآخر فتمثل في سرده لمواقف من طفولته، مرة مع جده سالم الذي علمه حراثة الأرض (ص 19-23)، ومرة عن رحلته مع والده إلى (إبقيق) حيث يعمل والده في شركة أرامكو (ص 24-27). وإن كان لهذا الارتداد ما يبرره.
فهل وُفقَ الخضير في استدعاء الرحلة؟
ربما (أقول ربما) أن الفاصل الزمني الطويل مكنه من رؤية المواقف وقراءة الوقائع بمنظور أوسع وعياً؛ فهو يكتبها في مرحلة عمرية أكثر استقراراً وتقبلاً للآخر، تتنقى فيها الصور التي علقت بالذهن من الشوائب النفسية، وتتجرد من عدسات الأيديولوجيا التي قد تجعل من العادي صادماً في أول الأمر، وخاصة فيما يتعلق باختلاف الثقافات.
تنكسر في هذا العمل بعض التكنيكات الشائعة في السرد الرحلي، وأبرزها خطية الزمن التي بدت هلامية؛ فالمسرود لا ينتظم على ترتيب زمني واضح، يُمَكن المتلقي من إدراك أسبقية حادثة على أخرى، ويشفع لهذا الانتهاك طول المدة الزمنية التي تؤطر الرحلة، إذ تُعَسّر على السارد ترتيب الوقائع التي مرت به في السنوات الأربع.
ويمتاز سرده في رحلة التداعي الطويلة بتناوب نوعين من أنواع القص، أولهما «السرد المؤلف» الذي يُحكى فيه مرة واحدة جملة من الوقائع المتكررة المتشابهة، فمثلاً تحت عنوان «أم خديجة» يقول: «تطل علينا كل صباح، وتظل معنا إلى أن ينتهي دوامها مع صلاة العصر، لم تكن عاملة منزلية، بل كانت أمًّا حنوناً، وأختاً عطوفاً، أم خديجة هذه المرأة الطيبة التي تقطع طريقاً طويلاً قبل أن تصل إلينا من قرية بعيدة.. تعودت هذه الخمسينية أن تصبح علينا وأن نصبح عليها بعبارة (برزا صُبُوحي)، وتعني (صباح الخير)... في تمام الساعة الثامنة صباحاً نذهب إلى أعمالنا فتبدأ هي بتنظيف البيت والغرف وتغسيل الملابس، كما تقوم بتجهيز الغداء في انتظار عودتنا لنجده جاهزاً...» (ص116-117)
فهو هنا لا يسرد فعلاً واحداً، بل أفعالاً متشابهة ظلت تتكرر مدة وجوده في جزر القمر..
ثم ينفذ بالقارئ من هذا «القص المؤلف» إلى النوع الثاني، وهو «القص المفرد» الذي يُحكَى فيه مرة واحدة ما حدث مرة واحدة، حيث يسرد الخضير موقفاً بعينه مازال عالقاً بالذاكرة، فبعد الأفعال المتشابهة التي سردها عن «أم خديجة» في الشاهد السابق يقول: «أذكر أني كنت في حاجة إلى زيت جوز الهند لآخذه معي إلى السعودية، فأخبرتها بذلك، فجاءت بكل أدوات التقطير البدائية مع كمية من جوز الهند لتعصره بنفسها في البيت، وفعلاً استطاعت أن تصنع لي زيت جوز الهند عن طريق التسخين والتقطير ...» (ص 117-118).
وهذا الأخير هو الأسلوب السائد في الكتابات الرحلية، لكن لجوء الخضير للقص المؤلف في بعض المواضع تحكمه الضرورة، وقد نجح به في رسم ملامح يومياته طوال مدة بقائه في جزر القمر.
رصد الخضير في هذه الرحلة كل ما يمكن للرحالة رصده من حياة عامة، وأمكنة، وأطعمة، وألبسة، وعادات وطقوس، وطبيعة وغيرها مما يمنح القارئ تصوراً وافياً عن المكان والإنسان والحياة في جزر القمر بأسلوب سردي سلس، لا يمله القارئ، تأمل قوله: «القمريون يرتادون الشوارع كثيراً ، فبلادهم ذات أجواء معتدلة ودرجة حرارة شبه ثابتة (29)، مع ارتفاع في الرطوبة أحياناً، ولكنها ليست رطوبة مزعجة، والغيوم حين تغطي أشعة الشمس تجعلهم يمشون على أقدامهم لمسافات طويلة، ولذلك تكون أجسامهم عضلية وقوية، ولم أر إلا كروشاً قليلة خرجت عن مسارها الطبيعي، والأغلب العام جسم متناسق يشبه أبطال كمال الأجسام. يقودون سياراتهم ... بكل وعي، فلا سرعة تذكر، ولا مخالفات تسجل، يجوبون شوارعهم الخشنة، ذات المطبات والحُفر، ويمرون بها على شارع (فولوفولو) وأكواخ المقاهي المغطاة بالشينكو حيث يلعب أبناء الجزر لعبة الطاولة...» (ص54).
يستعين الخضير بالوصف النفسي الانفعالي، إلى جانب الوصف الطبيعي (التوضيحي)، في تشكيل فضاء رحلته، فمما ذكره في وصف الشخصية القمرية قوله: «تستوقفني طيبة الإنسان القمري حين يجلسُ على أعتاب البيوت كأنه ينتظرُك، يفلل سبحته، يمارسُ هوايته بالتفاتاتٍ نحو الطريق والناس والسيارات، وبطبيعته هو إنسان فضولي، لا تستقر عينه على مكان واحد، بل يجلسُ ويسجل في ذاكرته كل من مروا على هذا الشارع بكل التفاصيل، يستمتع بحياته وسط أجواء الغيم وسحابات المطر المرسومة من ألوان قوس قزح...» (ص65).
وهذا الوصف الوجداني لا يتوقف على رصد ملامح الإنسان القمري، بل يتجاوزه إلى وصف الطبيعة، فأحياناً لا يرسمُ جزئياتها، بل يسقط عليها انفعالاته، ولعل مدة وجوده الطويلة في هذه البقعة جعلته يتعلق بها، ويستدعيها بلغة يحفها الحنين، تأمل قوله: «في جزر القمر ستكون الطبيعة هي صاحبتك ومعشوقتك ومرتعك وعالمك، هي جنة الله في الأرض... كانت المناظر الجميلة تكسونا وتحيطنا من كل جانب، حتى في العتمة تشعر بأنك تبصر الجمال في نجومها وسمائها وقمرها، أنفاسنا تتلمس المساحات الواسعة من الشطآن، فمحيطنا كان هادئاً، وليلنا كان رطباً...» (ص53).
إن ما يميز أدب الرحلة عن سائر أنواع السرد أن القارئ يحظى إلى جانب المتعة بمعرفة متنوعة (تاريخية، وجغرافية، وثقافية) عن قطر يجهله، وهذا ما دعاني لقراءة كتاب «غربة بطعم كارتالا» لعبدالله الخضير، الصادر عن شركة نضد للنشر والتوزيع عام 2021م.