حذامي محجوب
ليست الأوطان مجرد أنظمة حكم، كما لا تُختزل الشعوب في سياسات حكوماتها. فالدول العريقة أكبر من الحكام، والحضارات أبقى من الأيديولوجيات، والتاريخ لا يختصره نصف قرن مهما كان صاخبا.
هذه هي حكاية إيران.
فخلف الصورة التي التصقت بها خلال العقود الأخيرة، صورة الصواريخ والعقوبات والملفات النووية والصراعات الإقليمية، تقف إيران أخرى، أكثر هدوءا وأعمق أثرا.
إيران التي صنعتها القرون، لا البيانات السياسية.
إيران التي كتبت اسمها في سجل الحضارات قبل أن يُكتب اسمها في تقارير الأزمات.
إنها إيران أصفهان، حيث تتحول القباب الفيروزية إلى صلاة من نور، والجسور الحجرية إلى قصائد تعبر الزمن.
وإيران شيراز، مدينة الشعر التي ما زال حافظ وسعدي يسكنان هواءها وحدائقها، وكأن الكلمات لم تغادرها يوما.
وإيران تبريز، التي حملت على أكتافها تجارة طريق الحرير، فجمعت بين الأسواق والفنون والصناعات اليدوية حتى أصبحت بوابة بين الشرق والغرب.
وإيران يزد، التي علّمت العالم كيف يتحدى الإنسان الصحراء بالهندسة والذكاء، وإيران، مشهد وقم اللتان حملتا عمقا روحيا وفكريا امتد قرونا، وطهران التي تضم جامعات ومراكز بحث ومتاحف تشهد بأن العقل الإيراني لا يزال قادرًا على الإبداع.
هذه ليست مدنا على الخريطة، بل فصول من ملحمة حضارية طويلة.
مدنٌ أنجبت الشعراء والعلماء والفلاسفة والمهندسين والفنانين، وقدّمت للعالم أدبًا وسينما وعمارة وفكرا، حتى غدت الثقافة الإيرانية لغة عالمية لا تحتاج إلى جيوش كي تعبر الحدود.
كانت تلك هي القوة الحقيقية لإيران.
لكن المسافة اتسعت، عاما بعد عام، بين إيران الحضارة وإيران السياسة.
فالدولة التي امتلكت كل مقومات القوة الناعمة، اختارت منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 أن تجعل مشروعها الإقليمي يتقدم على مشروعها الحضاري.
ومع اتساع نفوذ المؤسسات العسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، تغيرت أولويات الدولة، وأصبحت السياسة الخارجية والصراعات الإقليمية جزءًا من تعريف القوة الوطنية.
وهنا بدأ التحول الأكبر.
فبدل أن تُوجَّه الثروة البشرية والطبيعية لبناء اقتصاد أكثر ازدهارا، وتعليم أكثر تطورا، وصناعة أكثر تنافسية، استُنزف جانب معتبر من الموارد في مشاريع النفوذ خارج الحدود، وفي دعم حلفاء وجماعات مسلحة في أكثر من ساحة إقليمية.
وكانت النتيجة أن ارتبط اسم إيران في الوعي الدولي بالعقوبات والأزمات والتوترات، أكثر مما ارتبط بالعلم والثقافة والابتكار.
ولم يقتصر الثمن على علاقاتها الخارجية.
فقد دخلت علاقاتها مع كثير من دول الجوار، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، في دوامة طويلة من انعدام الثقة والتوتر، رغم أن الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد كانت تفتح أمام الجميع طريقا مختلفا، يقوم على التعاون والشراكة والتكامل.
كان يمكن للخليج وإيران أن يشكلا معا أحد أهم مراكز التجارة والطاقة والاستثمار في العالم، لكن منطق الصراع غلب منطق المصالح المشتركة.
فالأمن الحقيقي لا يُبنى بإثارة مخاوف الجيران، ولا تُقاس قوة الدولة بعدد الجبهات التي تفتحها، بل بعدد الجسور التي تبنيها، وبقدرتها على تحقيق الازدهار لشعبها.
غير أن أكثر من دفع ثمن هذه الخيارات لم يكن الخارج، بل المواطن الإيراني نفسه.
فالعقوبات والعزلة والتوترات المتواصلة تركت آثارا ثقيلة على الاقتصاد، وارتفعت كلفة المعيشة، وتراجعت القدرة الشرائية، واتسعت دائرة القلق لدى جيل كامل من الشباب، حتى أصبحت الهجرة حلمًا لكثير من أصحاب الكفاءات.
وليس هناك خسارة أفدح من خسارة العقول.
فالثروة الحقيقية ليست النفط ولا الغاز، بل الإنسان.
وكل دولة تفقد أبناءها المتعلمين تفقد جزءًا من مستقبلها.
وكان بإمكان هذه الطاقات أن تجعل إيران قوة علمية وصناعية وثقافية تضاهي كبرى الدول الصاعدة، لو أن الاستثمار اتجه نحو الإنسان بدل استنزافه في صراعات لا تنتهي.
وتبقى المرأة الإيرانية واحدة من أكثر صور هذا التناقض وضوحا.
فبلد أنجب شاعرات ومفكرات وعالمات وفنانات، وجد نفسه خلال العقود الأخيرة أمام جدل دائم حول الحقوق والحريات الشخصية، حتى تحولت قضايا اللباس والاختيارات الفردية إلى ساحة مواجهة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع.
ولم تكن مطالب كثير من النساء خروجا على هوية إيران، بل كانت دعوة إلى أن تستعيد الدولة أفضل ما في حضارتها، احترام العقل، والإبداع، وكرامة الإنسان.
فلا يمكن لأي دولة تطمح إلى مستقبل مزدهر أن تعطل نصف طاقتها البشرية، أو أن تجعل من المرأة قضية أمنية بدل أن تجعلها شريكًا في التنمية.
إن احترام المرأة الإيرانية ليس تنازلًا سياسيا، بل استثمار في مستقبل البلاد، وشرطًا من شروط أي نهضة حقيقية.
لقد أثبت التاريخ أن النفوذ القائم على القوة وحدها لا يعيش طويلا.
أما النفوذ الذي تصنعه الجامعات، والمختبرات، والاقتصاد، والثقافة، فهو الذي يبقى.
هكذا نهضت اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وهكذا صعدت كوريا الجنوبية، لا عبر تصدير الصراعات، بل عبر بناء الإنسان.
وإيران تمتلك كل ما تحتاجه لتسلك الطريق ذاته.
تمتلك تاريخا استثنائيا، وشعبا متعلما، وثروات كبيرة، وموقعا جغرافيا فريدا، وتراثا ثقافيا يكفي ليجعلها إحدى أهم القوى الحضارية في العالم.
لكن ذلك يبدأ بمراجعة شٌجاعة للأولويات.
فأفضل استثمار هو الإنسان، وأقوى نفوذ هو النموذج الناجح، وأعظم انتصار هو أن يحترمك الآخرون لا أن يخشوك.
إن الخروج من سياسة المواجهة لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية، بل إعادة تعريفها بما يخدم الدولة وشعبها معا.
فالدولة التي تبني اقتصادها، وتحترم القانون الدولي، وتحسن جوارها، وتصون كرامة مواطنيها، هي التي تفرض احترامها دون أن ترفع صوتها.
لقد آن الأوان لأن تعود إيران إلى نفسها.
أن تعود إلى أصفهان أكثر من المتاريس، وإلى شيراز أكثر من الشعارات، وإلى تبريز أكثر من ساحات النفوذ، وإلى الجامعات والمختبرات والمكتبات والمسارح والأسواق أكثر من ساحات الصراع.
أن تعود إلى الإنسان قبل الأيديولوجيا، وإلى الحضارة قبل السياسة.
فإيران لا تحتاج إلى أن تكون دولة يخشاها العالم، بل دولة يتطلع إليها العالم بإعجاب.
لا ينبغي أن تُقاس قوتها بعدد خصومها، بل بعدد علمائها، ومبتكريها، وأصدقائها، والفرص التي تمنحها لشعبها.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبلها: هل تختار إيران أن تستعيد الطريق الذي صنع مجدها عبر آلاف السنين، أم تواصل السير في طريق الصراعات الذي استنزف اقتصادها، وأرهق مجتمعها، وأبعدها عن محيطها.
إن إيران التي أنجبت حضارة أصفهان، وشعر شيراز، وأسواق تبريز، قادرة على أن تكتب فصلا جديدًا من تاريخها، يوم تنتصر الحضارة على السياسة، والإنسان على الأيديولوجيا، والمستقبل على الصراع!