د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لم تعد مشكلة الدعوة في قلة من يتحدثون باسمها، بل في كثرة من يتصدرون لها دون تأهل. فالدعوة إلى الله ليست ساحة مفتوحة لكل متحمس، ولا منصة يتقدم إليها من امتلك حضورًا إعلاميًا أو جمهورًا واسعًا، بل هي أمانة شرعية تقوم على العلم، وتزدان بالحكمة، وتحكمها البصيرة. وكلما غاب التأهيل، واتسع مجال التصدر، ازدادت الأخطاء، وارتفع ثمنها على الدين والمجتمع.
لقد أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا جديدًا، أصبح فيه الوصول إلى الجماهير أسهل من أي وقت مضى، وهو أمر يحمل فرصًا كبيرة لنشر الخير، لكنه في المقابل فتح الباب أمام من لم يرسخ في العلم ليتصدر المشهد الدعوي، حتى غدت الشهرة عند بعض الناس دليلًا على الأهلية، وعدد المشاهدات مقياسًا للمكانة العلمية، مع أن الحقيقة قد تكون على خلاف ذلك تمامًا.
إن أخطر ما يصيب الدعوة ليس قلة الدعاة، وإنما كثرة المتصدرين بغير علم؛ لأن الجاهل إذا صمت اقتصر ضرره على نفسه، أما إذا تصدر وتكلم باسم الدين، اتسع أثر خطئه بقدر من يستمع إليه ويقتدي به. ومن هنا يصبح التأهيل العلمي والحكمة ركيزتين لا غنى عنهما، فلا يكفي صدق النية، ولا قوة الحضور، ولا حسن الإلقاء، ما لم يكن ذلك مؤسسًا على علم راسخ وبصيرة نافذة.
وقد رسم القرآن الكريم منهج الدعوة الصحيح في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}، فجعل البصيرة أساس الدعوة، والبصيرة لا تعني الحماسة أو البلاغة، وإنما تعني العلم الراسخ، والفهم الصحيح، والإدراك السليم لمقاصد الشريعة.
ولذلك لم يكن علماء السلف يتسابقون إلى الفتوى أو الظهور، بل كانوا يفرون من التصدر، ويخشون الزلل في دين الله. وكان الإمام مالك رحمه الله يقول: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك». إنها كلمة تختصر معنى الهيبة العلمية، وتكشف حجم الفارق بين من كان ينتظر تزكية العلماء، ومن يمنح نفسه اليوم صفة الداعية أو المفتي بمجرد امتلاكه منصة إعلامية.
إن المتصدر بغير علم لا يقف ضرره عند خطأ في مسألة فقهية، بل يمتد أثره إلى تشكيل وعي الناس، وإرباك مفاهيمهم، وإضعاف ثقتهم بالعلم الشرعي. فهو قد يفسر النصوص بغير مرادها، أو يرجح بين الأقوال بلا أدوات علمية، أو يخوض في قضايا العقيدة والفتوى والنوازل اعتمادًا على ثقافة عامة أو مطالعات متفرقة، فيضل ويضل غيره.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك بقوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فهذا الحديث يبين أن من أعظم أسباب الانحراف تصدر الجهال للناس، وأن الخطر لا يكمن في الجهل وحده، بل في تحوله إلى مرجعية يتلقى الناس عنها دينهم.
وتبلغ الخطورة ذروتها عندما يتصدر للدعوة في الخارج من لم يجمع بين العلم والحكمة؛ إذ يتحول من مبلغٍ للحق إلى سبب في تشويهه، ويصبح اجتهاده غير المنضبط عبئًا على الدعوة بدل أن يكون خدمة لها. فالداعية في الخارج لا يمثل ذاته وحدها، بل يحمل صورة الإسلام، ويعكس جانبًا من منهج بلده العلمي، ولذلك فإن أي خطأ أو اندفاع أو غياب للحكمة قد يُستغل للإساءة إلى الإسلام، ويمنح خصومه مادة للطعن فيه، ويصرف بعض الناس عن الحق بسبب تصرف فردي لم يكن ليقع لو سبق التصدرَ تأهيلٌ راسخ.
وقد يكون الخطأ داخل المجتمع محدود الأثر، أما خارجه فقد تتحول زلة اللسان أو سوء التصرف إلى انطباع عام عن الإسلام وأهله. ومن هنا كانت الحكمة وفقه الواقع، ومعرفة أحوال الناس، وحسن مخاطبتهم، من أهم أدوات الداعية، فلا يضع الكلمة إلا في موضعها، ولا يتحدث إلا بعلم، ولا يقدم رأيًا حتى يتبين وجه الصواب فيه.
ولا يعني هذا أن الدعوة مقصورة على فئة دون أخرى، فكل مسلم مأمور بالدلالة على الخير، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين التذكير بما هو معلوم من الدين بالضرورة، وبين التصدر للفتوى، وتعليم الناس الأحكام، والخوض في المسائل الدقيقة. فهذه ميادين لا يدخلها إلا من استكمل أدواتها، وأخذ العلم عن أهله، وعرف أصول الاستدلال وقواعد الترجيح.
كما أن المسؤولية لا تقع على المتصدر وحده، بل تشمل كل من يصنع له هالة علمية لا يستحقها، أو يقدمه للناس على أنه مرجع شرعي دون بينة. فالمجتمع الذي يساوي بين العالم والجاهل، وبين المتخصص وغيره، يفتح الباب لفوضى فكرية يصعب علاجها، ويمنح الشهرة مكانة لا تستحقها على حساب العلم والرسوخ.
إن حماية الدعوة تبدأ بإعادة الاعتبار للعلم الشرعي، وربط الناس بعلمائهم المعروفين بالرسوخ والأمانة، وغرس قيمة التواضع العلمي، فقول العالم: «لا أعلم» منقبة، والسكوت عن غير علم عبادة، أما القول على الله بلا بينة فهو من أعظم المحرمات، كما قال تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
إن الدعوة إلى الله لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات بقدر حاجتها إلى مزيد من العلماء والحكماء. فالمتحدث باسم الدين لا يحمل رأيه الشخصي، بل يحمل رسالة عظيمة، وكل كلمة ينطق بها قد تهدي إنسانًا أو تضله. ومن هنا كان التأهل العلمي، والحكمة، ومعرفة الواقع، والرجوع إلى أهل العلم، ليست فضائل تكميلية، بل شروطًا لازمة لمن يتصدر للدعوة. وستبقى الدعوة قوية ما بقيت في أيدي أهلها، أما إذا انتقلت إلى غير المؤهلين، فإن أول الخاسرين هو الخطاب الدعوي نفسه، ثم المجتمع الذي يتلقى دينه من غير بابه الصحيح.