د. يحيى جابر
في ظل الأمن والرخاء الذي نعيشه في بلدنا السعودية، ونعمة الازدهار والتي يتمتع بها هذا الوطن ومواطنوه بفضل الله عز وجل وحكمة ووعي قيادتنا الرشيدة حماها الله، يظل الحيطة والحذر والوعي من مخاطر التضليل هاما، فلم يعد الأمن في العصر الرقمي يقتصر على حماية الحدود والمنشآت، بل أصبح يمتد إلى حماية الوعي العام وعقل الإنسان، وصون الحقيقة، والتصدي للمعلومات المضللة التي تنتشر عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي خلال ثوانٍ معدودة، وفي المملكة العربية السعودية، تأتي التحذيرات المستمرة الصادرة عن وزارة الداخلية بضرورة عدم تداول المقاطع مجهولة المصدر، والتثبت من صحة الأخبار، والاعتماد على البيانات الرسمية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن المعلومة جزء لا يتجزأ من أمن الوطن، وأن المواطن الواعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات.
وتؤكد التجارب أن الشائعة لم تعد مجرد خبر غير صحيح، بل أصبحت وسيلة تستغلها بعض الجهات لإثارة البلبلة، والتأثير في الرأي العام، وبث الخوف، وإضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية، خصوصًا في أوقات الأزمات والكوارث والمناسبات الوطنية، وفي وقت الأزمات ولهذا، فإن التحقق من مصدر المعلومة قبل نشرها لم يعد خيارًا شخصيًا، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية تعكس وعي الفرد وإدراكه لحجم التأثير الذي قد تتركه رسالة أو مقطع مصور يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، وتتحمل وسائل الإعلام الرسمية بالذات أهمية كبيرة في هذا الجانب، لبث التوعية والوعي وتفسيره، والتنبيه له.
وتشير دراسة علمية أجراها معهد ماساتشوستس للتقنية ونشرتها مجلة العلوم عام 2018، إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي بسرعة تزيد على الأخبار الصحيحة بنحو 6 مرات، كما تصل إلى جمهور أكبر وفي وقت أقصر، وهو ما يفسر حرص الجهات الرسمية في المملكة على سرعة إصدار البيانات، ودعوة الجميع إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية فقط، «المصدرـ مجلة العلوم، دراسة معهد ماساتشوستس للتقنية، 2018».
إن التحذيرات التي تصدرها وزارة الداخلية السعودية لا تستهدف الحد من تداول المعلومات، بل تهدف إلى حماية المجتمع من الوقوع ضحية للتضليل، لأن كثيرًا من المقاطع المتداولة قد تكون قديمة، أو مجتزأة، أو أُخرجت من سياقها، أو جرى التلاعب بها رقميًا، لتقديم صورة غير حقيقية عن الواقع، بهدف بث الذعر، أو التشويه، أوإشعال فتنة، أو غير ذلك، ومن هنا، يصبح التحقق من المصدر الرسمي خطوة أساسية للمحافظة على استقرار المجتمع وثقة أفراده بالمؤسسات الوطنية، وهي ميزة امتاز بها الشعب السعودي، بفضل الوعي والثقافة والوطنية التي طالما امتاز بها المواطن السعودي.
ومن هنا، علينا الحرص والتوعية بشكل دائم، فيبرز أثر ذلك بصورة أكبر في القضايا الأمنية، حيث قد يؤدي نشر معلومة غير دقيقة إلى إرباك المواطنين، أو التأثير في سير التحقيقات، أو إعاقة جهود الجهات المختصة، أو إثارة الهلع بين الناس لأمر غير موجود أصلاً، لذلك تؤكد وزارة الداخلية باستمرار أن الأخبار الأمنية لا تؤخذ إلا من بياناتها الرسمية أو من الجهات الحكومية المخولة بالإعلان.
ولا يقتصر أثر الشائعة على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، إذ تشير أدبيات علم النفس الإعلامي إلى أن تكرار التعرض للمعلومات الكاذبة يرفع مستويات القلق والخوف، ويؤثر في طريقة اتخاذ القرار، ويزيد من انتشار الشائعات نتيجة الميل إلى إعادة مشاركة الأخبار المثيرة دون التحقق منها، «المصدرـ منظمة الصحة العالمية، دليل إدارة المعلومات أثناء الطوارئ، «2022».
ومن الناحية الاجتماعية، فإن الالتزام بعدم تداول المقاطع مجهولة المصدر يعزز الثقة بين أفراد المجتمع، ويحد من انتشار الشائعات التي قد تستهدف النسيج الاجتماعي أو تثير الفرقة أو الكراهية، كما يرسخ ثقافة المسؤولية الرقمية، ويجعل كل مواطن شريكًا في حماية مجتمعه من التضليل الإعلامي.
أما اقتصاديًا، فقد أثبتت التجارب العالمية أن الإشاعات قد تؤثر في الأسواق والاستثمارات وسمعة المؤسسات، وتدفع إلى اتخاذ قرارات مبنية على معلومات غير صحيحة، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني، ولذلك، فإن الالتزام بالمعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية يسهم في تعزيز الثقة والاستقرار الاقتصادي.
وتحظى المملكة العربية السعودية بمنظومة إعلامية ورقمية متقدمة، تعتمد على سرعة التواصل مع المجتمع، والشفافية، وإصدار البيانات الرسمية عند الحاجة، وهو ما يقلل من مساحة الشائعة، ويمنح المواطنين معلومات دقيقة وموثوقة، ومع ذلك، تبقى مسؤولية الفرد أساسية، لأن إعادة نشر المحتوى غير الموثق قد تمنحه انتشارًا واسعًا حتى وإن كان غير صحيح، لذلك دقق وتثبت وأهتم بالمصادر الصحيحة الرسمية.
إن الرسالة التي تؤكد عليها وزارة الداخلية السعودية واضحة؛ فكل مواطن هو شريك في حماية الأمن الوطني، وهو رجل الأمن الأول، وكل مستخدم لمنصات التواصل يتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية عند النشر، والتثبت من الخبر، والرجوع إلى المصادر الرسمية، وتجاهل المقاطع مجهولة المصدر، ليست ممارسات إعلامية فحسب، بل قيم وطنية تعزز الاستقرار، وتحافظ على السلم المجتمعي، وتدعم جهود الدولة في مواجهة الشائعات وحملات التضليل.
وفي زمن تتسابق فيه المعلومات للوصول إلى المتلقي، يبقى الوعي هو الحصن الأقوى، وتبقى الحقيقة مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد قبل أن تصل إلى المؤسسة، وهو ما يجعل من الالتزام بتوجيهات وزارة الداخلية السعودية سلوكًا حضاريًا يعكس وعي المجتمع، ويجسد الشراكة الحقيقية في حماية أمن الوطن واستقراره.
ولا شك أن نجاح أي دولة في مواجهة الشائعات لا يعتمد على الأنظمة والجهات الأمنية وحدها، بل يرتكز بصورة أساسية على وعي المجتمع، فكلما ارتفع مستوى الوعي الإعلامي والرقمي لدى المواطنين، تقلصت فرص انتشار المعلومات المضللة، وانخفض تأثير الحملات التي تستهدف زعزعة الأمن أو بث الإحباط أو إثارة الرأي العام، ولهذا تعمل المملكة العربية السعودية على ترسيخ ثقافة التحقق من الأخبار، وتعزيز مفهوم المسؤولية الفردية في الفضاء الرقمي، باعتبارها إحدى ركائز الأمن الوطني.
وتكتسب هذه الثقافة أهمية مضاعفة في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت قادرة على إنتاج مقاطع فيديو وصور وتسجيلات صوتية تبدو حقيقية بدرجة كبيرة، فيما يعرف بـ»التزييف العميق»، وقد حذر المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير المخاطر العالمية لعام 2025، من أن المعلومات المضللة والمغلوطة أصبحت من أبرز المخاطر التي تواجه العالم خلال السنوات المقبلة، لما لها من تأثير مباشر في الأمن والاستقرار والاقتصاد والثقة العامة، «المصدرـ المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير المخاطر العالمية، «2025».
ومن هنا، فإن التحذيرات التي تطلقها وزارة الداخلية السعودية تتجاوز التعامل مع الشائعة التقليدية، لتشمل كل أشكال المحتوى الرقمي مجهول المصدر، سواء كان مقطعًا مصورًا، أو تسجيلًا صوتيًا، أو صورة معدلة، أو رسالة يتم تداولها عبر تطبيقات التواصل، لأن جميعها قد يستخدم للتضليل أو إثارة البلبلة أو نشر معلومات غير صحيحة.
وتبرز أهمية هذا الوعي خلال مواسم الحج والعمرة، والإجازات، والأحداث الوطنية، والكوارث الطبيعية، والحوادث الأمنية، وغيرها، حيث تعتمد الجهات المختصة على وصول المعلومات الدقيقة إلى المواطنين في الوقت المناسب، وفي المقابل، قد يؤدي تداول معلومة غير صحيحة إلى ازدحام غير مبرر، أو تعطيل الخدمات، أو إرباك فرق الطوارئ، أو إثارة القلق بين المواطنين والمقيمين، وهو ما يضاعف من حجم التحديات أمام الجهات المعنية، بدون مبرر، وبسبب إشاعة وتضليل.
كما أن الالتزام بالمصادر الرسمية يسهم في حماية سمعة الأفراد والمؤسسات، إذ قد تتسبب إشاعة أو مقطع مجتزأ في الإساءة إلى شخص أو جهة أو منشأة دون وجود أي دليل، وهو ما ينعكس على الثقة المجتمعية ويؤدي إلى أضرار يصعب معالجتها حتى بعد ظهور الحقيقة، أضافة للآثار القانونية التي قد تترتب على ذلك ضد مثير الإذاعة والتضليل.
ومن الجوانب المهمة كذلك، أن المواطن الواعي لا يكتفي بعدم إعادة نشر الشائعة، بل يسهم في إيقاف انتشارها، من خلال توجيه الآخرين إلى البيانات الرسمية، والإبلاغ عن الحسابات أو المحتويات المضللة عند الحاجة، وبذلك يتحول إلى شريك فاعل في حماية الفضاء الرقمي السعودي من الاستغلال.
وتؤكد الدراسات الإعلامية أن الإنسان يميل بطبيعته إلى مشاركة الأخبار المثيرة أو الصادمة أكثر من الأخبار العادية، وهو ما تستغله الجهات التي تقف خلف حملات التضليل، إذ تعتمد على إثارة المشاعر قبل مخاطبة العقل، لذلك فإن التريث لبضع دقائق، والبحث عن المصدر الرسمي، قد يمنع وصول معلومة مضللة إلى مئات أو آلاف الأشخاص، ويحد من آثارها السلبية.
وفي المملكة، أولت رؤية المملكة 2030، اهتمامًا كبيرًا ببناء مجتمع حيوي يتمتع بالوعي والمسؤولية، ويستخدم التقنية بصورة إيجابية وآمنة، وهو ما يتوافق مع الجهود التي تبذلها وزارة الداخلية والجهات الحكومية الأخرى في تعزيز الوعي الرقمي، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، وحماية المجتمع من مخاطر الشائعات والحروب النفسية والإعلامية الحديثة، «المصدرـ وثيقة رؤية المملكة «2030».
وفي النهاية، فإن قوة المجتمعات لم تعد تقاس بما تمتلكه من إمكانات مادية فحسب، بل بقدرتها على حماية وعيها الجمعي من التضليل، وثقافة ووعي المجتمع نفسه، ومن هذا المنطلق، تمثل دعوات وزارة الداخلية السعودية إلى تجنب تداول المقاطع مجهولة المصدر، والتحقق من الأخبار، والاعتماد على المصادر الرسمية، رسالة وطنية عميقة تؤكد أن أمن الوطن مسؤولية مشتركة، وأن كل مواطن ومقيم يستطيع أن يسهم في تعزيز الاستقرار، ليس بحمل السلاح، وإنما بحماية الحقيقة، واحترام المعلومة والعقل، وعدم منح الشائعة فرصة للانتشار، فحين ينتصر الوعي، تنتصر الحقيقة، ويظل المجتمع أكثر تماسكًا، والدولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل آمن ومستقر.
أخيراً
كل مؤسسة إعلامية وممارس للإعلام، عليه مسؤولية في نشر التوعية والمعرفة، في هذا الجانب الهام والحساس، والتذكير به بشكل دائم.