د. غالب محمد طه
علّمتني سنوات العمل الأولى في الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس درسًا ظل يرافقني حتى اليوم. لم يكن التحدي في فهم المواصفات الفنية، بل في ترجمة لغتها الجافة إلى خطاب صحفي يحافظ على دقتها ويصل إلى الناس في الوقت نفسه. يومها أدركت أن المسؤولية لا تبدأ عند كتابة النص، وإنما عند نشره وتحمّل ما يترتب عليه. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، يعود ذلك الدرس ليطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: ما الذي يبقى صمام الأمان الحقيقي للعمل التحريري عندما تشارك الآلة في إنتاج المحتوى؟
لسنوات طويلة، ظل الهيكل التنظيمي داخل غرف الأخبار واضحًا ومستقرًا؛ يبدأ بالصحفي الذي يجمع المادة، ثم رئيس القسم الذي يراجعها، وينتهي برئيس التحرير الذي يقرر نشرها. ولم يكن هذا التسلسل مجرد توزيع للمهام، بل كان يحدد بوضوح من يتحمَّل المسؤولية القانونية والمهنية عن كل كلمة تصل إلى القارئ.
اليوم تغيّر المشهد. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تساعد الصحفي في البحث أو التحرير، بل أصبح قادرًا على إعداد مسودات الأخبار، وصياغة التقارير، وإنتاج الصور والمقاطع المرئية. وهنا لا يصبح السؤال: ماذا تستطيع هذه الأدوات أن تكتب؟ وإنما: من يتحمَّل مسؤولية هذا المحتوى إذا اتضح أنه مضلل أو غير دقيق؟
هذا السؤال ينقل النقاش من حدود التقنية إلى جوهر العمل الصحفي. فالأنظمة لا تحاسب خوارزمية، ولا يمثِّل برنامج حاسوبي أمام القضاء، ولا تُسأل الآلة عن إخلال مهني. فالمسؤولية، في نهاية المطاف، تبقى مرتبطة بالإنسان الذي قرر النشر، وبالمؤسسة التي منحت المحتوى صفته الإعلامية. ولهذا تبقى المسؤولية التحريرية صمام الأمان الحقيقي في عصر تتسارع فيه أدوات إنتاج المحتوى.
ومن هنا، لم يعد السؤال داخل غرف الأخبار يدور حول السماح باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي من عدمه، بل حول كيفية دمجها ضمن منظومة تحريرية تضمن بقاء القرار النهائي بيد الإنسان. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح صياغة، أو يلخص معلومات، أو يعيد تنظيم المحتوى، لكنه لا يمتلك القدرة على تقدير السياق المهني أو الموازنة بين المصلحة العامة والأثر المحتمل للنشر. وهذه المسؤولية تظل، في جميع الأحوال، مسؤولية تحريرية وإنسانية قبل أن تكون تقنية.
وتنسجم هذه الرؤية مع وثيقة «مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام»، التي أطلقتها وزارة الإعلام في المملكة العربية السعودية بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وحظيت مؤخرًا بتقدير دولي ضمن جوائز القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS 2026). وتؤكد الوثيقة أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لا يعفي الإنسان من مسؤوليته المهنية، مهما بلغت قدرة هذه التقنيات على إنتاج المحتوى.
ولا تقتصر أهمية هذا التوجه على البيئة الإعلامية السعودية، بل تمتد إلى المشهد الإعلامي العربي عمومًا، حيث لا تزال مؤسسات كثيرة في مرحلة استكشاف أفضل السبل للاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي، في ظل تفاوت السياسات المنظمة لاستخدامها. ومن هنا، تبرز قيمة وجود مرجعية أخلاقية واضحة يمكن أن تثري النقاش المهني، وتشجع المؤسسات الإعلامية على تطوير سياسات تحريرية توازن بين الاستفادة من التقنية والحفاظ على الثقة والمساءلة.
ولعل هذا ما يفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في بعض ممارساتها التحريرية. فمع اتساع حضور المحتوى التوليدي، يصبح من الطبيعي أن تتطور آليات المراجعة والتحقق، وأن يزداد الاهتمام بالإفصاح عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي عندما يكون لذلك أثر في فهم المتلقي لطبيعة المادة المنشورة. وهذه ليست قضايا تقنية بقدر ما هي امتداد للمبادئ التي قامت عليها الصحافة منذ نشأتها: الدقة، والشفافية، وتحمّل المسؤولية.
وفي المقابل، قد تمنح هذه المرحلة قيمة أكبر للصحفي الذي لا يكتفي بإعادة إنتاج ما تقترحه الخوارزميات، بل يضيف إليها ما لا تستطيع الآلة تقديمه: التحقق، والسياق، والحكم المهني، والقدرة على الربط بين الوقائع. فهذه المهارات لم تفقد أهميتها مع ظهور الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وأعود في الختام إلى ذلك الدرس الذي تعلمته في سنواتي الأولى. يومها لم تكن قيمة المواصفة في عدد صفحاتها أو دقة مصطلحاتها، بل في المسؤولية التي يتحملها من يشرحها للناس ويطبقها. واليوم، قد تكتب الآلة المسودة الأولى، لكنها لن تضع اسمها على الخبر، ولن تتحمَّل مسؤوليته. فالخبر لا تكتمل قيمته بمن صاغ كلماته، بل بمن يتحمَّل مسؤوليته أمام ضميره، وأمام المجتمع. فالمسؤولية هي الطريق إلى الثقة، والثقة ستبقى دائمًا رأس المال الحقيقي للإعلام.